وقال تعالى: { وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ } (1) وبين العلة في ذلك إغراء للأولاد وحثًا لهم على الاعتناء بهذه الوصية فقال: { حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ } (2) . أي ضعفًا على ضعف ومشقة على مشقة في الحمل وعند الولادة ثم في حضنه في حجرها وإرضاعه قبل انفصاله فقال تعالى: { وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ } (3) ولقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بر الوالدين مقدمًا على الجهاد في سبيل الله. ففي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - أي العمل أحب على الله تعالى قال الصلاة على وقتها قلت ثم أي قال: بر الوالدين قلت ثم أي قال الجهاد في سبيل الله. وفي صحيح مسلم أن رجلًا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله قال فهل من والديك أحد حي قال نعم بل كلاهما قال فتبغي الأجر من الله قال نعم قال فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما. وفي حديث إسناده جيد أن رجلًا قال يا رسول الله إني اشتهي الجهاد ولا أقدر عليه قال هل بقي من والديك أحد قال نعم أمي قال قابل الله في برها فإذا فعلت ذلك فأنت حاج ومعتمر ومجاهد. وقد أوصى الله تعالى بصحبة المعروف للوالدين في الدنيا وإن كانا كافرين بل وإن كانا يأمران ولدهما المسلم أن يكفر بالله لكن لا يطيعهما في الكفر فقال تعالى: { وَإِنْ جَاهَدَاكَ - أي بذلا جهدهما - عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ } (4) . وفي الصحيحين عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت قدمت علي أمي وهي مشركة وكان أبو بكر قد طلقها في الجاهلية فقدمت على ابنتها أسماء في المدينة بعد صلح الحديبية قالت أسماء فاستفتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت يا رسول اله قدمت علي أمي وهي راغبة - أي راغبة في أن تصلها ابنتها أسماء بشيء - أفأصل أمس يا رسول الله قال: نعم صلي أمك.
(1) سورة لقمان آية 14.
(2) سورة لقمان آية 14.
(3) سورة لقمان آية 14.
(4) سورة لقمان آية 15.