فذكر سبحانه أن أصل الخلق من أب واحد وأم واحدة وذكر به ليعطف بعضهم على بعض ويحثهم على ضعفائهم وأخبر أنه سبحانه مراقب لجميع أحوالهم وأعمالهم وفي ذلك إرشاد بمراقبة الرقيب سبحانه وعدم الغفلة عن حقه وحقوق عباده ومن ذلك مراعاة حق صلة الأرحام لاسيما عند الحاجة ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يذكر بهذه الآية عند الحاجة ليحث الناس على مواساة أهلها بالصدقة عطفًا عليهم ورغبة في ثواب صلتهم كما ثبت في صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صدر النهار قال فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف عامتهم من مضر بل كلهم من مضر. فتمعر وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما رأى بهم من الفاقة فدخل ثم خرج فأمر بلالًا فأذن وأقام فصلى ثم خطب فقال: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ... } إلى آخر الحديث في ذكر خطبته - صلى الله عليه وسلم - وحثه الناس على الصدقة عليهم قال النووي رحمه الله وسبب قراءة هذه الآية أنها أبلغ في الحث على الصدقة عليهم ولما فيها من تأكد الحق لكونهم إخوة. فالتذكير بأصل النسب ورابطة القرابة بسببه مما يدعو إلى الصلة ويدفع إلى التعاطف والجود بالخير ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم:"تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم" (1) .
يقال وصل رحمه يصلها وصلًا إذا أحسن إلى ذوي رحمه أي قرابته من جهة النسب أو الصهر، كأنه بالإحسان يصل ما بينهم وبينه من علاقة القرابة والصهر قال تعالى:
{وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى} (2) الآية.
فتحصل صلة الرحم بالإحسان إليهم بما تيسر من أنواع الإحسان قال ابن أبي جمرة: تكون صلة الرحم بالمال وبالعون على الحاجة وبدفع الضرر وبطلاقة الوجه وبالدعاء. وقال القرطبي: تجب مواصلتها يعني"الرحم"بالتوادد والنتاصح والعدل والإنصاف والقيام بالحقوق الواجبة والمستحبة والنفقة على القريب وتفقد أحوالهم والتغافل عن زلاتهم.
(1) رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب.
(2) سورة النساء آية 36.