لا يقتل الوالد بالولد (1) .
(موعظة) أيها المضيع لآكد الحقوق، والمعتاض من بر الوالدين العقوق، الناسي لما يجب عليه، الغافل عما بين يديه، بر الوالدين عليك دين، وأنت تتعاطاه باتباع الشين، تطلب الجنة بزعمك، وهي تحت أقدام أمك، حملتك في بطنها تسعة أشهر كأنها تسع سنين، وكابدت عند الوضع ما يذيب المهج، وأرضعتك من ثديها لبنًا، وأطارت لأجلك وسنا، وغسلت بيمينها عنك الأذى، وآثرتك على نفسها بالغذاء، وصيرت حجرها لك مهدًا، وأنالتك إحسانًا ورفدًا، فإن أصابك مرض أو شكاية، أظهرت من الأسف فوق النهاية، وأطالت الحزن والنحيب، وبذلت مالها للطبيب، ولو خيرت بين حياتك وموتها، لطلبت حياتك بأعلى صوتها، هذا وكم عاملتها بسوء الخلق مرارًا، فدعت لك بالتوفيق سرًا وجهارًا، فلما احتاجب عند الكبر إليك، جعلتها من أهون الأشياء عليك، فشبعت وهي جائعة، ورويت وهي قانعة، وقدمت عليها أهلك وأولادك بالإحسان، وقابلت أياديها بالنسيان، وصعب لديك أمرها وهو يسير، وطال عليك عمرها وهو قصير، وهجرتها ومالها سواك نصير، هذا ومولاك قد نهاك عن التأفيف، وعاتبك في حقها بعتاب لطيف، ستعاقب في دنياك بعقوق البنين، وفي أخراك بالعبد من رب العالمين، يناديك بلسان التوبيخ والتهديد {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ} (2) .
لأمسك حق لو علمت كثير ... كثيرك يا هذا لديه يسير
فكم ليلة باتت بثقلك تشتكي ... لها من جواها أنة وزفير
وفي الوضع لو تدري عليها مشقة ... فمن غصص منها الفؤاد يطير
وكم غسلت عنك الأذى بيمينها ... وما حجرها إلا لديك سرير
وتفديك مما تشتكيه بنفسها ... ومن ثديها شرب لدك نمير
وكم مرة جاعت وأعطتك قوتها ... حنانًا وإشفافًا وأنت صغير
فآها لذي عقل ويتبع الهوى ... وآها لأعمى القلب وهو بصير
فدونك فارغب في عميم دعائها ... فأنت لما تدعو إليه فقير (3)
(1) انظر كتاب بر الوالدين للشيخ أحمد الغماري الحسني.
(2) سورة الحج آية 10.
(3) من كتاب الكبائر للإمام الذهبي ص 48.
(4) أصول المنهج الإسلامي ص 229 - 230.