وهذه السلبية تبدو من المنظور الفقهي الإسلامي أشنع مما هي عليه في تقدير الشراح، لأن الترافع إلى القاضي غير المسلم لا يجوز [1] كما لا يجوز التحاكم إلى محكم غير مسلم، في قول جمهور أهل العلم، وقال بعض الحنابلة إن التحكيم من باب الوكالة، فلا يشترط في المحكم ما يشترط في القاضي المولى [2] .
على أن في ذلك آفة أخرى، هي الاحتكام إلى غير شرع الله في دار الإسلام [3] وهو غير جائز اتفاقا، لاسيما إن كان في العدول عنه فسحة.
وفي رأيي أن هذه السلبية هي أخطر ما يعتري جذب الاستثمارات الأجنبية بوجه عام، ويصح أن يقال عنها إنها غدت من قبيل ما تعم به البلوى، لاسيما مع بطء القضاء الوطني في الفصل في المنازعات، وطول الإجراءات، مع غياب القضاء المتخصص القادر على الفصل في تلك المشكلات المعقدة التي أفرزتها العلاقات الاقتصادية المعاصرة، في حين نجحت مراكز التحكيم في الاستعانة بخبراء على مستوى فائق، مع سرعة الفصل، ويسر الإجراءات، ناهيك عن حماية أسرار الخصوم، وهي مسألة ذات قيمة خاصة بالنظر إلى السمعة التجارية.
ويبدو في الأفق أن القائمين على المرافق القضائية العربية ينزعون إلى إنشاء محاكم مالية تختص بنظر المنازعات الناشئة عن العلاقات الاستثمارية، وهو جهد مشكور لولا أن هذه المحاكم ستقضي - كأكثر هيئات القضاء في بلادنا - بقوانين تداخلها الأهواء والآراء الباطلة، لا يبالي واضعها أوافقت شرعة الإسلام أم خالفته [4] خصوصا في مسائل الربا والفوائد، وفي مثل ذلك كان قول أهل العلم في (الياسق) الذي وضعه جنكيز خان، وسار عليه أتباعه، بل حكى ابن كثير الإجماع على كفر من تحاكم إلى (الياسا) وقدمه على شرع الله [5]
وقد يعين على الخروج من هذه الأزمة العناية بتأهيل كوادر اقتصادية متفقهة [6] وضمها إلى مراكز تحكيم تحظى بالدعاية والانتشار الواسع، والسمعة الجيدة، ويسعى فريق التعاقد النائب عن الإدارة أو الهيئة المسلمة إلى أن يتراضى مع شركة المشروع
(1) انظر في هذا: بدائع الصنائع 7/ 23، الخراج لأبي يوسف. ضمن موسوعة الخراج. نشر دار المعرفة. بيروت 1979 ص 203، ابن فرحون. ابراهيم بن علي. تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الحكام. ط الحلبي 1/ 17،الشربيني. محمد مغني المحتاج إلى ألفاظ المنهاج ط. عيسى الحلبي. 4/ 375، ابن قدامة (شمس الدين) الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف بتحقيق د. عبد الله التركي. ط أولى. هجر. مصر 1996 - 28/ 298، د. الزحيلي. محمد. التنظيم القضائي في الفقه الإسلامي. ط ثانية 1423/ 2002 ص 88.
(2) انظر في التفصيلات: الراجحي. ناصر بن حمد. التحكيم في المنازعات المالية في الفقه والنظام السعودي. رسالة لاستكمال متطلبات الحصول على الماجستير مقدمة إلى كلية الدراسات العليا بجامعة نايف للعلوم الأمنية، متاحة من خلال موقع الجامعة على الإنترنت ص 58 وما بعدها،
(3) انظر: د. المنيسي وليد بن إدريس. العمل القضائي خارج ديار الإسلام. ما يحل منه وما يحرم. ضمن البحوث المقدمة إلى المؤتمر السنوي الخامس لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا. البحرين 2007. التمهيد ويقع في الصفحات 4 - 12. وكذلك المحور الرابع ص 31 - 33 'وهل يجوز الاحتكام إلى غير المسلم خارج ديار الإسلام؟ الأشبه الجواز للحاجة، وقد قرر المجمع الفقهي الإسلامي الدولي في شأن الرواية التي كتبها المدعو سلمان رشدي. القرار الثالث: يعلن المجلس أنه يجب ملاحقة هذا الشخص بدعوى قضائية جزائية تقدم عليه، وعلى دار النشر التي نشرت له هذه الرواية، في المحاكم المختصة في بريطانيا، وأن تتولى رفع هذه القضية عليه منظمة المؤتمر الإسلامي. نقلا عن المنيسي ص 37.
(4) من كلام العلامة أحمد محمد شاكر في عمدة التفسير 3/ 214، نقلا عن المنيسي ص 7.
(5) البداية والنهاية 13/ 119، نقلا عن المنيسي ص 9.
(6) خلاصة قول شيخنا القرضاوي في بحثه بيع المرابحة للآمر بالشراء أنه لا يستقيم أمر المصارف الإسلامية كما نحب إلا إذا اقتصد الفقهاء، وتفقه الاقتصاديون، وهو ما نشد عليه هنا، فغياب المعرفة الاقتصادية عن القاضي المولى للنظر في هذه العلاقات المالية المعقدة يجعله لا يدرك الحق إلا مصادفة.