استمرار عطاء الوقف
بقاء عين الوقف واستمرار منفعته شاهد على أن الشرع الإسلامي ينزع إلى استمرار عطاء الوقف [1] وعلى ضوء النصوص المؤكدة على هذه الغاية أفرغ الفقهاء وسعهم في الكشف عن الوسائل والأدوات التي تحقق هذا المقصد الحضاري الراقي:
-ففي كتاب الله تعالى {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} [2] وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم بالوقف [3] .
-وفيما روى مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال {إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء: صدقة جارية ... } [4] وحملت على الوقف لأنه هو الذي يستمر جريانه.
-وفيما روى الشيخان وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بثمرتها .... [5] حيث نص على قطع التصرف في العين قطعا تاما.
-وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلا حبس مالا من ماله، صدقة مؤبدة، لا تشترى أبدا، ولا توهب، ولا تورث" [6] وهو واضح الدلالة على المعنى."
وعلى أساس من هذه النصوص وغيرها كان القول بوجوب بصيانة عينه وحفظها، وقطع كافة التصرفات التي تؤدي إلى تفويتها، وتقديم عمارة الوقف على حقوق المستحقين"شرط ذلك الواقف أم لم يشترطه، لأن قصد الواقف صرف الغلة مؤبدا، ولا تبقى دائمة إلا بالعمارة، فيثبت شرط العمارة اقتضاء" [7] .
(1) وما أدق القول"الوقف مال رابح"كما عُنْوِن لنشرة إدارة الدعوة - قطر- لواحدة من سلسلة الآداب و"الوقف عبادة مالية، ووظيفة اقتصادية، واستثمار تنموي"كما عنون الدكتور محمد على الصليبي لبحثه المنشور بمجلة جامعة الخليل للبحوث المجلد 2 ع 2 ص 52 - 65 لسنة 2006.
(2) آل عمران من الآية 92
(3) ففيما روى البخارى ومسلم وأبو داود والدارمى واللفظ له، عن أنس قال: كان أبو طلحة أكثر أنصارى بالمدينة مالا بخلا، وكانت أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان - يعنى النبى صلى الله عليه وسلم - يدخلها ويشرب من مائها طيب، فقال أنس: فلما أنزلت هذه الآية"لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون"قال: إن أحب أموالى إلىُ بيرحاء، وإنها صدقة أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بخ، ذلك مال رابح، أو رائح، وقد سمعت ما قلت، وإنى أرى أن تجعله في الأقربين. فقال أبو طلحة: أفعل يا رسول الله، فقسمه أبو طلحة في قرابة بنى عمه.
انظر: سنن الدارمى وتخريج الأستاذين فؤاد زمزلى، وخالد العلى لأحاديثه 1/ 477 - 478.
(4) انظر: الصحيح. كتاب الوصية. باب ما يلحق الرجل من الثواب بعد وفاته. والحديث رواه أبو داود والنسائى في الوصايا والترمذى في الأحكام. باب في الوقف. وقال: حسن صحيح.
(5) رواه الجماعة، وهو عند البخارى في الوصايا. باب الوقف كيف يكتب، مسلم في الوصية. باب الوقف، وهو عند أبى داود في الوصايا، والنسائى في الأحباس، والترمذى في الأحكام. وابن ماجة في الصدقات، ومسند الإمام أحمد 2/ 12،55.
(6) انظر: القرافي. أحمد بن إدريس. الذخيرة. بتحقيق الأستاذ محمد بو خبزة. ط دار الغرب الإسلامي. الأولى. 6/ 323، المغنى 8/ 186.
(7) انظر: المرغيناني. علي بن أبي بكر. الهداية بشرح فتح القدير. ط الحلبي- 6/ 190، المبسوط للسرخسي 12/ 43،البدائع للكاساني 5/ 330، ابن عابدين. محمد أمين. رد المحتار على الدر المختار والمشهور بحاشية ابن عابدين 4/ 403، 412، الذخيرة للقرافي 6/ 346، الدسوقي. محمد عرفة. حاشية الدسوقي على الشرح الكبير - ط الحلبي - 4/ 91، المطيعي. محمد بخيت. تكملة المجموع ط م التضامن الأخوي. 16/ 329، المغني لابن قدامة 8/ 238، الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 4/ 506، 514، وانظر بحث الشيخ السلامي. محمد مختار. استثمار أموال الوقف. ضمن بحوث منتدى قضايا الوقف الفقهية الأول. تنظيم الأمانة العامة للأوقاف بالكويت مع البنك الإسلامي للتنمية. الكويت 11 - 13/ 10/2003.كتاب المنتدى ص 133 - 135، وقد كفانا بشواهده ونقوله الكثيرة إعادة النقل عن مصنفات كثير من السلف.، وانظر أيضا: د. القرة داغي. ديون الوقف. ضمن منتدي قضايا الوقف الفقهية الأول. سابق ص 51 - 55، ومن كلام فضيلته ص 58"رعاية مقصد الشرع في الوقف - هي - الأبدية، والاستمرارية، وتحبيس الأصل وإبقاؤه للاستفادة من منافعه، وريعه وثماره، لا تتم إلا من خلال تكوين مخصصات من ريع الوقف للديون المعدومة لدفع الضرر المحتمل من خلال ترتيب مخصص له، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولأن الوسائل والمآلات معتبرة في هذه الشريعة الغراء".وانظر قول فضيلته ونقوله في رهن الوقف ص 65، د. الميمان. ناصر بن عبد الله. ديون الوقف. ضمن أعمال المنتدى السابق، وقد استهل فضيلته بحثه بالتأكيد على أن أحكام الوقف اجتهادية في الغالب، ومما تقعد في هذا الباب أنه"يفتى بكل ما هو أنفع للوقف فيما اختلف العلماء فيه ... نظرا للوقف وصيانة لحق الله تعالى، وإبقاء للخيرات"وهو من كلام ابن عابدين في الحاشية. انظر ص 75 وما بعدها، وانظر بحث الزميل الدكتور الهيتي عبد الستار إبراهيم. الوقف ودوره في التنمية. من منشورات وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بقطر. ط أولى 1419/ 1998 ص 48 وما بعدها.