الجهة الثانية: الخدمة الاختيارية:
ويقصد بذلك دخول المسلم السلك العسكري كوظيفة لكسب الرزق، والذي يظهر أن هذا الأمر لا يجوز؛ لما فيه من تكثير سواد غير المسلمين، وتقوية صفوفهم، وهذا يتنافى مع واجب موالاة المؤمنين والبراء من الكافرين، كما قال عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء) [1] وقال عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء) [2] ، والتعرض للأذى والمهانة والإذلال على أيدي الضباط غير المسلمين، وهذا يتنافى مع قوله عزوجل: (وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) [3] وقوله -صلى الله عليه وسلم-:"لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه، يتعرض للبلاء لما لا يطيق" [4] ، وقد يمنع من إقامة الشعائر، أو قد يقع في بعض المحرمات مما تقتضيه طبيعة الحياة العسكرية، ولا موجب لمثل هذه المحظورات من إكراه أو اضطرار يسوغ ذلك.
الجهة الثالثة: مقاتلة المسلمين مع جيش دولة اللجوء:
عامة الفقهاء على أنه لا يجوز للمسلم أن يقاتل المسلمين مع الكفار، لقوله صلى الله عليه وسلم-:"من حمل علينا السلاح فليس منا" [5] ، قال النووي:"من حمل السلاح على المسلمين بغير حق ولا تأويل ولم يستحله فهو عاص، ولا يكفر بذلك، فإن استحله كفر"، قال محمد بن الحسن:"وإن قالوا -أي الكفار- لهم -أي للأسرى المسلمين- قاتلوا معنا المسلمين وإلا قتلناكم، لم يسعهم القتال مع المسلمين، فإن هددوهم يقفوا معهم في صفهم ولا يقاتلوا المسلمين رجوت أن يكونوا في سعة"قال السرخسي معلقًا:"لأن ذلك -أي القتال- حرام على المسلمين بعينه، فلا يجوز الإقدام عليه بسبب التهديد بالقتل، كما لو قال له:"اقتل هذا المسلم وإلا قتلناك" [6] ."
قال شيخ الإسلام ابن تيميه:"إذا كان المكره على القتال في الفتنة ليس له أن يقاتل بل عليه إفساد سلاحه، وأن يصبر حتى يقتل مظلومًا، فكيف بالمكره على قتال المسلمين مع الطائفة"
(1) سورة المائدة: 51.
(2) سورة الممتحنة: 1.
(3) سورة النساء آية 141.
(4) أخرجه الترمذي في أبواب الفتن، باب (58) ، حديث رقم (2355) .
(5) أخرجه البخاري في كتاب الفتن، باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:"من حمل علينا السلاح فليس منا"، حديث رقم (7070) ، ومسلم في كتاب الإيمان باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم-:"من حمل علينا السلاح فليس منا"، حديث رقم (98) .
(6) شرح السير الكبير للسرخسي 4/ 253.