فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 130

فكثير من الاختلافات سببها عدم معرفة الخصم بحجة أخيه، فيسارع إلى إنكار رأي أخيه، أو التشنيع عليه، ولو تأمل لوجد أن الحق مع أخيه، أو أن الخلاف لفظي، أو أن الحق معه لكن لا يستدعي الأمر كل ما حصل من الإنكار والذم، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن مسعود لما اختلف هو ورجل في قراءة القرآن الكريم: (كلاكما محسن، ولا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا) " (1) ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:"واعلم أن أكثر الاختلاف بين الأمة، الذي يورث الأهواء، تجده من هذا الضرب، وهو: أن يكون كل واحد من المختلفين مصيبا فيما يثبته، أو في بعضه، مخطئا في نفي ما عليه الآخر، كما أن القارئين كل منهما كان مصيبا في القراءة بالحرف الذي علمه، مخطئا في نفي حرف غيره، فإن أكثر الجهل إنما يقع في النفي الذي هو الجحود والتكذيب، لا في الإثبات، لأن إحاطة الإنسان بما يثبته أيسر من إحاطته بما ينفيه، ولهذا نهيت الأمة أن تضرب آيات الله بعضها ببعض، لأن مضمون الضرب: الإيمان بإحدى الآيتين والكفر بالأخرى - إذا اعتقد أن بينهما تضادا - إذ الضدان لا يجتمعان" (2) ، وبالتأمل فيما عند المخالف من الأدلة والنصوص يصل الإنسان للحق، ولهذا قال عبد الله بن المبارك (3) :"قدمت الشام على الأوزاعي فرأيته ببيروت، فقال لي: يا خراساني من هذا المبتدع الذي خرج بالكوفة يكنى أبا حنيفة؟ فرجعت إلى بيتي فأقبلت على كتب أبي حنيفة فأخرجت منها مسائل من جياد

(1) - سبق تخريجه، وهو في صحيح البخاري

(2) - اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 128، 129)

(3) - هو عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، أبو عبد الرحمن إمام أهل عصره في العلم والتقى والصلاح والرياسة، ومن مشاهير أئمة الحديث الثقات، وصفه ابن عيينة قائلا: كان فقيها عالما عابدا زاهدا شيخا شجاعا شاعرا ا. هـ توفي سنة 181 هـ، انظر تهذيب التهذيب (3/ 347 - 249)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت