فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 130

فقال لي - وهو يبتسم -: كلامي لهذا بحضرتهم أنفع لهم من كلامي لهم .

فقال الحاضرون: صدق .

فأقبل الشافعي عليه ، فقال له: ألست تزعم أن الحجة هي الإجماع ؟

قال ابن علية: نعم .

فقال الشافعي: خبرني عن خبر الواحد العدل أبإجماع دفعته أم بغير إجماع ؟

فانقطع ابن علية ، ولم يجب ، وسر القوم بذلك" (1) "

وقد جرت مناظرة بين الشافعي ومحمد بن الحسن (2) ، فقد قال محمد بن الحسن للشافعي: ما تقول في رجل غصب ساحة وبنى عليها جدارا ، وأنفق عليها ألف دينار ، فجاء صاحب الساحة وأقام شاهدين على أنها ملكه ؟

فقال الشافعي: أقول لصاحب الساحة ترضى أن تأخذ قيمتها ؟ فإن رضي ، وإلا قلعت البناء ودفعت ساحته إليه .

قال محمد: فما تقول في رجل غصب لوحا من خشب فأدخله في سفينة ، ووصلت السفينة إلى لجة البحر ، فأتى صاحب اللوح بشاهدين عدلين ، أكنت تنزع اللوح من السفينة ؟

قال: لا .

قال: الله أكبر ، تركت قولك ، ثم قال: ما تقول في رجل غصب خيطا من إبرسيم (3) فمزق بطنه ، فخاط بذلك الإبرسيم تلك الجراحة ، فجاء صاحب الخيط بشاهدين عدلين أن هذا الخيط مغصوب ، أكنت تنزع الخيط من بطنه ؟

قال: لا .

قال محمد: الله أكبر ، تركت قولك ، وقال أصحابه: تركت قولك .

قال الشافعي: لا تعجلوا ، أرأيت لو كان اللوح لوح نفسه ، ثم أراد أن ينزع ذلك اللوح من السفينة حال كونها في لجة البحر ، أمباح له ذلك أم محرم ؟

قال: بل محرم .

(1) - تاريخ بغداد ( 6 / 20 ) بتصرف يسير

(2) - هو محمد بن الحسن بن واقد الشيباني ، صاحب الإمام أبي حنيفة ، عالم فاضل فقيه ، وله مصنفات ، ولد سنة 132 هـ ، وتوفي سنة 189 هـ ، انظر وفيات الأعيان ( 4 / 184 ، 185 ) ، أحمد بن محمد بن خلكان ، تحقيق إحسان عباس ، دار صادر ، بيروت .

(3) - هو البرسام ، بكسر الباء ، وهو معرب ، انظر لسان العرب مادة برسم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت