فليس كل مسألة اختلف فيها العلماء يسوغ فيها الأخذ بأي قول من الأقوال، فهناك مسائل خلافية الخلاف فيها شاذ، والحق فيها واضح أبلج، والسنة فيها مستفيضة مشهورة، فالخلاف في مثل هذه المسائل من الخلاف المذموم، ولهذا قال الأوزاعي (1) :"من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام" (2) ، وقال معمر (3) :"لو أن رجلا أخذ بقول أهل المدينة في استماع الغناء، وإتيان النساء في أدبارهن، وبقول أهل مكة في المتعة، والصرف، وبقول أهل الكوفة في المسكر، كان شر عباد الله" (4) ، والواجب رد التنازع في المسائل كلها إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، قال - تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} (5) ، وقال - تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} (6) ، والذم في مثل هذه المسائل ليس واقعا على كل مخالف، بل الذم واقع على المخالف الذي تبينت له السنة المستفيضة، ثم هو لا يزال متعلقا بالقول الشاذ، ومن أمثلة ذلك:
(1) - هو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الشامي الأوزاعي، المحدث الفقيه، ولد سنة 88 هـ، وكان ثقة مأمونا كثير العلم والحديث، مات ببيروت سنة 157 هـ، انظر الطبقات الكبرى (7/ 488)
(2) - سير أعلام النبلاء (7/ 125)
(3) - هو معمر بن راشد بن أبي عمر الأزدي، إمام حافظ ثقة متقن للحديث، وفقيه، ولد بالبصرة سنة 95 هـ، وسكن اليمن واشتهر بها حتى توفي عام 153 هـ، انظر البداية والنهاية (9/ 266، 267)
(4) - التلخيص الحبير (3/ 187) ، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، مكتبة الثقافة الدينية، مراجعة: السيد عبد الله هاشم ليماني المدني، 1384 هـ - 1964 م.
(5) - سورة الشورى، الآية رقم 10
(6) - سورة النساء، الآية رقم 59