أولا: اختلاف الصحابة - رضي الله عنهم - في فهم المراد من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد غزوة الأحزاب، فعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنه - قال:"نادى فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم انصرف عن الأحزاب أن لا يصلين أحد العصر (1) إلا في بني قريظة، فتخوف ناس فوت الوقت فصلوا دون بني قريظة، وقال آخرون: لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن فاتنا الوقت، قال: فما عنف واحدا من الفريقين" (2) ، وكون للنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعنف واحدا من الفريقين لا يعني أن الكل مصيب؛ فإن الحق واحد لا يتعدد، لكنه - صلى الله عليه وسلم - راعى اختلاف الأفهام في مثل هذا النص المتشابه،"وذلك يمثل احترام الإسلام لاختلاف وجهات النظر ما دامت عن اجتهاد بريء سليم" (3)
(1) - في رواية مسلم (الظهر) وقد جمع بينهما الحافظ في الفتح (7/ 409) فقال:"... وقد جمع بعض العلماء بين الروايتين باحتمال أن يكون بعضهم قبل الأمر كان صلى الظهر، وبعضهم لم يصلها، فقيل لمن لم يصلها: لا يصلين أحد الظهر، ولمن صلاها لا يصلين أحد العصر، وجمع بعضهم باحتمال أن تكون طائفة منهم راحت بعد طائفة، فقيل للطائفة الأولى الظهر وقيل للطائفة التي بعدها العصر، وكلاهما جمع لا بأس به"
(2) - صحيح البخاري (كتاب الخوف - باب صلاة الطالب والمطلوب راكبا وإيماء، انظر الفتح 2/ 436 برقم 946) ، صحيح مسلم (كتاب الجهاد والسير - باب المبادرة بالغزو، وتقديم أهم الأمرين المتعارضين، انظر شرح النووي 6/ 340، 341 برقم 1770)
(3) - فقه السيرة (ص 311) ، محمد الغزالي، خرج أحاديثه محمد ناصر الدين الألباني، دار القلم، دمشق، الطبعة الخامسة، 1414 هـ، 1994 م.