فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 130

وذلك يحصل لما في النفوس من البغي والحسد وإرادة العلو في الأرض، ونحو ذلك (1) ، فإذا فسدت نية العبد دفعه ذلك إلى اتباع الهوى ولي أعناق النصوص الشرعة لتوافق هواه - عياذا بالله من ذلك -، يقول ابن القيم:"والاختلاف المذموم كثيرا ما يكون مع كل فرقة من أهله بعض الحق، فلا يقر له خصمه به، بل يجحده إياه بغيا ومنافسة، فيحمله ذلك على تسليط التأويل الباطل على النصوص التي مع خصمه، وهذا شأن جميع المختلفين، بخلاف أهل الحق، فإنهم يعلمون الحق من كل من جاء به، فيأخذون حق جميع الطوائف ويردون باطلهم" (2)

ومصداقا لما قاله ابن القيم، فهذه مناظرة جرت بين الإمام أبي حنيفة وبعض الخوارج، نصر فيها الإمام أبو حنيفة الحق، وكشف زيف الباطل، فجزاه الله خيرا، فإنه"لما بلغ الخوارج أن أبا حنيفة لا يكفر أحدا من أهل القبلة بذنب (3) ، وفد منهم سبعون رجلا، فدخلوا عليه أحفل ما كان المجلس، فقاموا جميعا فقالوا: يا أبا حنيفة، إن ملتنا واحدة، فمر الناس أن يفرجوا لنا."

قال: افرجوا لهم.

فأفرجوا حتى وقفوا على رأسه، ثم سلوا سيوفهم جميعا، فقالوا: يا أبا حنيفة، يا عدو هذه الأمة، وقال بعضهم: يا شيطان هذه الأمة، لقتلك أحب إلى كل رجل منا من جهاد سبعين سنة، ولا نريد أن نظلمك.

فقال لهم أبو حنيفة: أفلا تريدون أن تنصفوني؟

قالوا: بلى.

قال: فأغمدوا سيوفكم، فإنه يهولني بريقها.

قالوا: فكيف نغمدها ونحن نرجو أن نخضبها بدمك؟

قال: فتكلموا على اسم الله.

قالوا: هاتان جنازتان على باب المسجد، أما إحداهما فرجل شرب الخمر حتى كظته وحشرج بها فمات غرقا في الخمر، وأما الأخرى فامرأة زنت، حتى إذا أيقنت بالحبل قتلت نفسها.

(1) - انظر اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 131)

(2) - الصواعق المرسلة (2/ 515) ، وانظر فقه الخلاف بين المسلمين (ص 35 - 37)

(3) - يعني إلا من كفره الله ورسوله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت