فقال لهم أبو حنيفة: من أي الملل كانا؟ أمن اليهود؟
قالوا: لا.
قال: أفمن النصارى؟
قالوا: لا.
قال: أفمن المجوس؟ قالوا: لا.
قال: من أي الملل كانا؟
قالوا: من الملة التي تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله.
قال: فأخبروني عن هذه الشهادة، كم هي من الإيمان، ثلث أو ربع أو خمس؟
قالوا: إن الإيمان لا يكون ثلثا ولا ربعا ولا خمسا.
قال: فكم هي من الإيمان؟
قالوا: الإيمان كله.
قال: فما سؤالكم إياي عن قوم زعمتم وأقررت أنهما كانا مؤمنين؟!!
قالوا: دعنا عنك، أمن أهل الجنة هما أم من أهل النار؟
قال: أما إذا أبيتم، فإني أقول فيهما ما قال نبي الله إبراهيم في قوم كانوا أعظم جرما منهم: {فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم} (1) ، وأقول فيهما ما قال نبي الله عيسى في قوم كانوا أعظم جرما منهما: {إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} (2) ، وأقول فيهما ما قال نبي الله نوح إذ قالوا: {أنؤمن لك واتبعك الأرذلون * قال وما علمي بما كانوا يعملون * إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون} (3) ، وأقول فيهما ما قال نبي الله نوح: {ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين} (4)
فألقوا السلاح، وقالوا: تبرأنا من كل دين كنا عليه، وندين الله بدينك، فقد آتاك الله فضلا، وحكمة، وعلما. (5)
السبب الخامس: الجهل.
(1) - سورة إبراهيم، الآية رقم 36
(2) - سورة المائدة، الآية رقم 118
(3) - سورة الشعراء، الآيات من 111 - 113
(4) - سورة هود، الآية رقم 31.
(5) - مناقب أبي حنيفة (ص 108 - 109) بتصرف يسير، الموفق بن أحمد المكي، وحافظ الدين الكردي، دار الكتاب العربي، بيروت، 1401 هـ، 1989 م.