الإقرار بالشرب يقبل مهما طال الزمان ويقام به الحد على المقر لانتفاء التهمة التي تؤدي إلى عدم قبول الشهادة المتقادمة.
ويذهب ابن أبي ليلى وزفر من الحنفية إلى القول: بأن الإقرار بالحد بعد فترة يتقادم أي أنه لا يقبل كما لا تقبل الشهادة المتقادمة على الحد [1] فإن الشهود كما ندبوا إلى الستر بالمرتكب للفاحشة أيضا مندوب إلى الستر على نفسه، وقد قال رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) :"من أصاب من هذه القاذورات شيئا فليستتر بستر الله [2] "وأيضا لأن هذه العقوبات للزجر والردع وترويع المجرمين. وهذا لا يتحقق إلا فور وقوعها وتأخيرها يؤدي إلى عدم تحقق الردع، ولأن المجرم يظن أنه قد تاب، وإقراره على نفسه لكي يظهرها مظنة توبته ومظنة التوبة تجعل العقاب قد صادف نفسا ظهرت من الذنوب وتابت إلى الله توبة نصوحة [3] ويرد على ذلك: أن الحديث قد جاء بآخره"ومن أبدى لنا صفحته أقمنا عليه الحد"وإن المقر قد أبدى صفحته بإقراره وإن كان تقادم العهد، ولذا فإن التهمة منتفية في حقه ولذا يقام عليه الحد لأن الإنسان لا يعادي نفسه، وإن الذي حمله على الإقرار هو الندم وإيثار عقوبة الدنيا على عقوبة الآخرة، فصلاح الحال وتوبة الجاني لا تسقط الحد مهما تقادم الزمان [4] ولشهادة الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) أنه لا أفضل من جود المعترف بنفسه لله تعالى [5] . لذا كان الأول هو قبول الإقرار وإقامة الحد وليس كما قال ابن أبي ليلى وزفر رد الإقرار وعدم قبوله للتقادم. هذا بالإضافة إلى أن الزجر يتحقق بإقامة الحد بالإقرار بعد الحين كما يتحقق بإقامته فور ارتكاب الحد، ومرجع ذلك أن أساس القول بالتقادم في الحدود هو التهمة التي تلحق الشهود إذا تأخروا في أداء شهادتهم بعد أن كانوا قد آثروا للستر على الجاني، وهذا التهمة غير متوفرة في حق المقر، ولذا فإن الردع والزجر متحقق في حالة إقامة الحد بالإقرار بعد طول زمان، وإقامة الحد بالإقرار به بعد طول الزمان (التقادم) مذهب لأئمة الثلاثة أيضا بالإضافة إلى الإمام أبي حنيفة وصاحبه أبو يوسف ومحمد [6] .
(1) شرح فتح القدير ج 5 ص 56، الكفاية مع شرح فتح القدير ج 5 ص 57، المبسوط ج 9 ص 97.
(2) المبسوط ج 9 ص 97.
(3) الشيخ أبو زهرة- الجريمة والعقوبة -الجريمة ص 85، 86، النظرية العامة لإثبات موجبات الحدود- د. الركباني ج 2 ص 91، السيوط ج 9 ص 97.
(4) التاج والإكليل- بهامش مواهب الجليل ج 6 ص 313.
(5) المحلى ج 1 ص 151.
(6) المدونة الكبرى ج 4 ص 423، الشرح الكبير لأبن قدامة ج 10 ص 205، المغني لابن قدامة ج 10 ص 187، المحلى لابن حزم ج 11 ص 144، 149، مغني المحتاج ج 4 ص 151، تبيين الحقائق ج 3 ص 188، حاشية الشيخ الشلبي بهامش تبيين الحقائق ج 3 ص 187، 188، 196، المبسوط ج 9 ص 69، 70، شرح فتح القدير ج 5 ص 57، الهداية مع شرح فتح القدير ج 5 ص 58، الكفاية مع شرح فتح القدير ج 5 ص 57، بدائع الصنائع ج 7 ص 81، حاشية رد المختار على الدر المختار لأبن عابدين ج 4 ص 31، 32.