فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 48

والحد يدرأ بالشبهة. وعلى العكس من ذلك فبعض الفقهاء كالمالكية [1] ورواية عن أحمد [2] ، يقيمون حد الشرب لظهور الرائحة وقال البعض أن حديث ابن مسعود يقول أنه جار في رجل مولع بالشرب مدمن فأجاز ابن مسعود الحد بالرائحة لذلك، وبعض أهل العلم أنكر الحديث [3] ونحن نرى أن حد شرب الخمر إنما يثبت بالشهادة أو الإقرار ولا يثبت بظهور رائحة الخمر لاحتمال الاضطرار أو الإكراه أو المضمضة أو بها فلما علم أنها خمرا لفظها، أو ظنها لا تسكر أو أنها كانت من شراب التفاح أو كثرة أكله أو أكل السفرجل فإن له رائحة كرائحة الخمر، وهذه الاحتمالات كلها تورث شبهة والحدود تدرأ بالشبهات، كما أن حديث عمر بن الخطاب والذي ذكره أبو حنيفة وصاحبه إنما هو دليل على عكس ما أرادوا إثباته لأن عمر لم يحده رغم وجود الرائحة وإنما عزره ولو كان الحد يجب بالرائحة لما قصر عمر في تطبيقه. ولهذا يترجح عندنا أن حد الشرب كغيره من الحدود كالسرقة والزنا بتقادم الشهادة بعد حين كما هو مذهب محمد بن الحسن.

ثانيا: إذا كان دليل الإثبات هو الإقرار:

إذا كان دليل الإثبات على حد الزنا وحد السرقة هو الإقرار فإن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمد بن الحسن يذهبون إلى قبول الإقرار مهما تطاول الزمان، وذلك لأن المقر على نفسه لا تلحقه تهمة لأن الإنسان لا يتهم نفسه لاسيما وأنه سوف يخضع لعقاب شديد وهو العقاب الذي يلحقه من جراء اعترافه بحد السرقة أو حد زنا، فالشخص يتهم في شهادته على غيره ولا يتهم في إقراره على نفسه [4] ، وبالنسبة لحد الشرب فقد اشترط أبو حنيفة وصاحبه أبو يوسف أن يكون الإقرار مصاحبا بوجود رائحة الخمر فإذا كانت الرائحة قد زالت فإنه لا يعتد بالإقرار ولا يقام بناء عليه حد الشرب على المقر، لأن تقادم الحد عندهما هو بزوال الرائحة، وقال محمد بن الحسن: أن الإقرار يقبل مهما تطاول الزمان فالرائحة ليست بشرط لإقامة الحد، وقد ذكر في نوادر ابن سماعة عن محمد بن الحسن أنه قال: أنا أقيم الحد بالإقرار وأن جاء بعد أربعين عاما وأقر أنه كان قد شرب النبيذ وسكر [5] وأدلة أبي حنيفة وأبي يوسف هي نفس الأدلة التي سبق وأن سقناها في شأن الشهادة، ويرد عليه بما سبق أن سقناه من رد في شان الشهادة، ولذا فنحن نرجح رأي محمد بن الحسن في شأن عدم الاعتداد بالرائحة وأن

(1) تبصره الحكام ج 2 ص 87، 88.

(2) المغني ج 10 ص 332

(3) حاشية الشيخ الشلبي مع تبيين الحقائق ج 3 ص 196

(4) المبسوط ج 9 ص 69، 70، شرح فتح القدير ج 5 ص 78، 79.

(5) حاشية الشيخ الشلبي مع تبيين الحقائق ج 3 ص 196، شرح فتح القدير ج 5 ص 79.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت