(القطع) إنما يرد هنا إلى صاحب المال (المدعي) وقد قال قاضيان في هذه الحالة: أن الشهادة لا تقبل بعد التقادم ليس للتهمة في حق الشهود لأن الدعوى شرط في السرقة، بل يرجع عدم قبولها للتقادم للخلل الذي أصاب الدعوى فصاحب المال (المدعى) كان مخيرا من البداية بإقامة الدعوى أو الستر، فلما أخر رفع الدعوى فقد اتضح أنه أراد الستر فسقط حق دعوى السرقة (القطع) ولم يبق سوى دعوى حقه في المال فقط فيقضي له به كما لو شهد رجل وامرأتان على السرقة فإن يلزم بهذه الشهادة المال فقط [1] .
وما سبق هو محل اتفاق بين الأحناف الإمام وأبي يوسف ومحمد بن الحسن في شأن حدي السرقة الزنا، أما حد الشرب فقد اختلف الأحناف بشأن قبول الشهادة المتقادمة بشأنه فقال الإمام أبو حنيفة وأبو يوسف: أن الشهادة المتقادمة في حد الشرب لا تقبل لأن الشرب عندهما لا يثبت إلا بوجود رائحة الخمر، أما محمد فقد قال: بأن الشرب يسقط بتقادم الشهادة عليه شأنه شأن حدي السرقة والزنا تماما [2] فالإمام وصاحبه أبو يوسف يتطلبان للشهادة على الشرب أن تكون الشهادة مع وجود الرائحة أما إذا زالت رائحة الخمر فلا تقبل الشهادة بالشرب فتقادم حد الشرب عندهما هو زوال الرائحة وأما محمد فقد وقت للشهادة بالشرب تقادما مثل تقادم الزنا والسرقة لأن هذا حد ظهر سبقه عند الإمام فلا يشترط لإقامته بقاء أثر الفعل، وهذا لأن وجود الرائحة لا يمكن أن تجعل دليلا فقد يتكلف لزوال الرائحة مع بقاء أثر الخمر في بطن الشارب، وقد توجد رائحة الخمر من غير خمر، فإن من استكثر من أكل التفاح أو السفرجل فإنه يوجد منه رائحة كرائحة الخمر. وقد احتج أبو حنيفة وأبو يوسف بحديث ابن مسعود أنه أتى بشارب الخمر فقال:"مزمزوه وترتروه واستنكهوه فإن وجدتم رائحة الخمر فحدوه"فقد شرط لإقامة الحد وجود الرائحة [3] ، وما روى عن عمر بن الخطاب (- رضي الله عنه -) أنه جيء برجل شرب الخمر بعد ما ذهبت رائحتها واعترف به فعزره ولم يحده، كما احتجا بأن حد الشرب قد ثبت بالإجماع ولا إجماع بدون ابن مسعود وقد ثبت الحد بإجماع الصحابة وكان إجماعهم برأي عمر وابن مسعود وقد شرطا الرائحة ولا إجماع عند عدم الرائحة، ويكون قول الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) ""من شرب الخمر فاجلدوه"مخصصا بالمضطر والمكره فجاز تخصيصه أيضا بإجماعهم، ولأن قيام الأثر من أقوى دلائله على القرب فيقدر به بخلاف غيره من الحدود لعدم الأثر فيه فيتعذر اعتباره، والتمييز ممكن لمن يعرف وإنما يشتبه على الجهال، ولو أخذ وريحها موجودة ثم انقطعت الرائحة قبل الوصول إلى الإمام لبعد المسافة فإنه يجب الحد [4] .ويرد على رأي أبي حنيفة وأبي يوسف باستدلالهم بحديث ابن مسعود والذي رواه عبد الرازق قال: حدثنا سفيان الثوري عن يحي بن عبد الله التميمي عن جابر عن أبي ماجد الحنفي، قال: جاء رجل بابن أخ له سكران إلى عبد الله بن مسعود فقال عبد الله: ترتروه ومزمزوه واستنكهوه ففعلوا فرفعه إلى السجن ثم عاد في الغد ودعا بسوط ثم أمر به فدقت ثمرته بين حجرين حتى صارت درة، ثم قال للجلاد: أجلده وارجع يدك وأعط كل عضو حقه، ومن طريق عبد الرازق رواه الطبراني ورواه إسحاق بن رهويه. فمحل النزاع الذي نحن بصدده هل الشهادة ترد ولا تقبل في إقامة حد الشرب عند وجود الرائحة أم لا يعتد بالشهادة ويعود على الرائحة فقط؟"
حديث عبد الله بن مسعود يدل على أنه حد بظهور رائحة الخمر من المعدة التي كانت قد خفيت (الرائحة) وقد كان مذهب ابن مسعود أنه قرأ سورة يوسف فقال رجل وقال: ما هكذا أنزلت، فقال عبد الله ابن مسعود: والله لقد قرأتها على رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) ، فقال: أحسنت، بينما هو يكلمه إذا وجد منه رائحة الخمر، فقال: أتشرب الخمر وتكذب الكتاب فضربه الحد، وأخرج الدار قطني بسند صحيح عن السائب بن يزيد عن عمر بن الخطاب أنه ضرب رجلا وجد منه رائحة الخمر وفيه لفظ ريح شراب. وهذا يدل على أن شرب الخمر يحد له عند ابن مسعود حتى ظهرت الرائحة، وذلك عند عدم وجود شهادة أو إقرار، فمتى وجدت شهادة أوجد أقرار بالشرب فلا يشترط أن توجد رائحة للخمر [5] وهذا ما يأخذ به بعض الفقهاء كالشافعية [6] والحنابلة [7] حيث لا يحد بالرائحة ولا بالسكر ولا بالقيء لاحتمال الغلط أو الإكراه
(1) شرح فتح القدير ج 5 ص 58، الهداية مع شرح فتح القدير ج 5 ص 58، الكفاية مع شرح فتح القدير ج 5 ص 58، 59، تبيين الحقائق ج 3 ص 188، المبسوط ج 9 ص 69، بدائع الصنائع ج 7 ص 46، 47.
(2) حاشية رد المحتار على الدر المختار ج 4 ص 40، المبسوط ج 9 ص 171، حاشية الشيخ الشلبي مع تبيين الحقائق ج 3 ص 188، مع شرح فتح القدير ج 5 ص 76، الكافي مع شرح فتح القدير ج 5 ص 77، شرح العناية مع شرح فتح القدير ج 5 ص 76.
(3) المبسوط ج 9 ص 172.
(4) تبيين الحقائق ج 3 ص 197.
(5) حاشية الشيخ الشلبي مع تبيين الحقائق ج 3 ص 197.
(6) اسنى المطالب شرح روض الطالب لزكريا الأنصاري ج 4 ص 159 الناشر المكتبة الإسلامية لصاحبها رياض الشيخ، منهاج الطالبين لأبي زكريا يحي بن شرف النووي ج 4 ص 190 طبعة دار الفكر للطباعة والنشر سنة 1398 هـ سنة 1978 م، مغنى المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج للشيخ الخطيب ج 4 ص 190 بهامش منهاج الطالبين طبعة دار الفكر سنة 1398 هـ سنة 1978 م، نفائس ولطائف للشيخ أحمد المرصفي بهامش حاشية البيجرمي على شرح منهج الطالبين المسماة التجريد لنفع العبيد ج 4 ص 235 المكتبة الإسلامية محمد أزدميد ديار بكر تركيا.
(7) المغني ج 10 ص 332 ن الإفصاح عن معاني الصحاح- لأبي الظفر يحي بن محمد بن هبيرة الحنبلي ج 2 ص 270 طبع المؤسسة السعيدية بالرياض.