فاسقا ولا تلحقه تهمة إذا أخر الشهادة [1] . ويذهب الأحناف إلى القول: بأن حد القذف لا يتقادم لوجود حق العبد فيه فهو يتوقف على الدعوى وبذا يأخذ حكم حقوق العباد والتي لا تخضع للتقادم، ولا يجوز أن يقاس على ذلك حد السرقة لأن الدعوى شرط فيها هي الأخرى ولذا تقبل فيها الشهادة المتقادمة ولكن الحقيقة أنه لا تقبل الشهادة متى تقادمت في حد السرقة: وذلك مرجعه إلى أن السرقة فيها أمران: الحد (القطع) والمال، فبالنسبة إلى إقامة الحد (القطع) لا تشترط فيه الدعوى لأنه خالص حق الله سبحانه وتعالى، وأما بالنسبة للمال فيشترط فيه الدعوى من صاحب المال، ولما كانت الشهادة بالسرقة لا تخلص لأحدهما بل لا يمكن الفصل بين الأمرين (الحد والمال) فاشترطت الدعوى لأجل رد المال وليس لإقامة الحد (القطع) ولهذا يثبت المال بالشهادة بعد التقادم لأن التقادم لا يحول دون المطالبة به فهو من حقوق العباد، ولكن السارق لا يقطع لتقادم الشهادة وعدم قبولها، والذي يدل على تحقق الأمرين في الشهادة أنه إذا شهد الشهود بالسرقة على إنسان وصاحب المال غائب فإن السارق يحبس حتى يحضر صاحب المال ولا يقطع لاحتمال أن يكون قد سرق ملكه لأذى كان عند المسروق منه أو أن صاحب المال ملكه أياه أو أباحه له فلابد من تضمن الشهادة بالسرقة الشهادة بملك المسروق منه والشهادة بملك الشيء لإنسان بتوقف قبولها على حضور المشهود له بالملك ورفعه دعوى فإذا حدث تأخير فإن الشهادة لا تقبل بالنسبة للحد (القطع) وتقبل بالنسبة للمال فيرد لصاحبه بناء على الشهادة المتقادمة، هذا بالإضافة إلى أن بطلان الشهادة للتقادم لما كان للتهمة، حقوق الله سبحانه وتعالى فأقيم لتقادم في حقوق الله مقامها فلا ينظر بعد ذلك إلى وجود التهمة أو عدم وجودها، مثل الرخصة لما كانت للمشقة وهي غير منضبطة أدير على السفر: فلم يلاحظ بعد ذلك وجودها ولا عدمها، فترد بالتقادم وليس يخالف أن رد الشهادة بالتقادم إنما يرجع للتهمة ومحل هذه التهمة ظاهر يمكن إدراكه فليست هنا كحاجة لإناطته بمجرد كونه حقا لله سبحانه وتعالى، ولا يصح أن يشبه بالمشقة في السفر لأن المشقة أمر خفي غير منضبط فلا تمكن الإناطة به فنيط بما هو منضبط، فالعدول للحاجة للانضباط ولا حاجة فيما نحن بصدده. وقد يقال: أن التهمة تكون منتفية في حق الشهود في حد السرقة التي علم بها صاحب المال فأخر دعواه ولم يقدمها إلا بعد حين فأدى الشهود الشهادة فهم ليسوا متهمين في شهادتهم وبالرغم من ذلك فإن السارق يضمن المال ولكن لا يقام عليه الحد (القطع) ؟ ويرد على ذلك بأن التهمة وإن كانت منتفية في حق الشهود في هذه الحالة فإن رد الشهادة بالنسبة لإقامة الحد
(1) شرح فتح القدير ج 5 ص 57، الهداية من شرح فتح القدير ج 5 ص 58، شرح العناية من شرح فتح القدير ج 5 ص 58، حاشية سعد جلبي مع شرح فتح القدير ج 5 ص 58 ن تبيين الحقائق ج 3 ص 188، المبسوط ج 9 ص 56 ن بدائع الصنائع ج 7 ص 46.