الشهادة، أما إذا كان دليل الإثبات فيها هو الإقرار فإنها لا تتقادم ومن ثم فمن يعترف بارتكابه لحد من الحدود فإنه يقام عليه الحد مهما طال الزمن بين ارتكابه للحد وبين اعترافه.
والحدود التي قام الأحناف بتقادمها هي: حدود السرقة والزنا والشرب، وذلك على التفصيل الآتي:
أولا: إذا كان دليل الإثبات هو الشهادة:
فقد ذهب الحنفية إلى القول: بأن الشهادة على حد الزنا وحد السرقة تتقادم بعد حين ومن ثم فلا تقبل الشهادة. بعد فترة الحين ولا يقام بناء عليها الحد، ولكن يكون هناك الضمان فقط أي رد المال المسروق إن كان بعينه أو بدله أو قيمته إن كان قد تلف أو استهلك وقد استدلوا على تقادم الشهادة في الحدود بقول الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) :"لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين"وبقول عمر بن الخطاب (- رضي الله عنه -) :"إيما شهود شهدوا على حد لم يشهدوا عند حضرته فإنما شهدوا على ضغن فلا شهادة لهم"بالإضافة إلى أن الشهادة مخير بين أمرين كلاهما حسبة الله سبحانه وتعالى، وهما الستر وهو أفضل لقول الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) :"من ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة"وقول الرسول للذي شهد عنده وهو رجل يقال له هزال الأسلمي"لو سترته بثوبك لكان خيرا لك"وما روى عن الرسول من تلقينه الدرء هو وأصحابه، ففيه دلالة ظاهرة على أفضلية الستر [1] وقوله تعالى: (إنَّ الَذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وقد ذهب ابن رشد إلى القول: بأن الستر يكون أفضل في حق من يندر منه ارتكاب حدود الله، أما من أشتهر عنه كثرة ارتكاب حدود الله فيجب أن يشهد عليه وأن يعلم الإمام بهذا [2] ، والثاني: هو أداء الشهادة لإخلاء العالم من الفساد للانزجار بالحد، وقوله تعالى (وأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ) وكلا الأمرين واجب مخير على الفور كحصول الكفارة ولأن كليهما لا يتصور طلبه على التراخي بل واجب على الفور. ول 1 لك فإن الشهادة بعد التقادم يترتب عليها الحكم على الشاهد بأحد أمرين: أما الفسق وأما التهمة والعدوان والضغن: لأن إذا اختار الستر ثم شهد بعد ذلك فإنه يكون متهما بأن تكون هناك عداوة هي التي حركته للإدلاء بالشهادة بعد أن آثر الستر والسكوت، وأن اختار من البداية أداء الشهادة وعدم الستر ثم أخر الشهادة فهو فاسق. وهذا بخلاف حقوق العباد لأن الدعوى شرط فيها فتأخير الشاهد كان لتأخير الدعوى ولذا فلا يعد
(1) شرح العناية على شرح فتح القدير ج 5 ص 448، الهداية على شرح فتح القدير ج 5 ص 448، 449، الكفاية على شرح فتح القدير ج 5 ص 448، 449، شرح فتح القدير ج 5 ص 448، 449.
(2) تبصره الحكام لابن نرحون ج 1 ص 206، 207.