وذهب رأي ثالث إلى القول: بأن توافر عذر قانوني مخفف كعذر الاستفزاز (م 237 ع) وصغر السن (م 15 من القانون 31 لسنة 1974 الخاص بالأحداث) فإن هذه الأعذار المخففة وجوبيه لا يملك القاضي حيال توافرها سوى الحكم بعقوبة الجنحة وهذا يؤدي إلى القول بأن العقوبة هي وحدها التي قررها المشرع للجريمة، وهذا يستتبع الاعتراف بأن الجريمة جنحة ولذا يسرى بشأنها مدد التقادم المقررة للجنح، وهذا هو الرأي الراجح فقها [1] وما أخذت به محكمة النقض [2] . وهذا ما نرجحه لأن طبيعة الجريمة لا تقاس فحسب بنوع الفعل، لكنها تنشأ من مجموع عنصريها المادي والشخصي، والمشرع عند تقديره لخطورة الفعل (باعتباره جناية أو جنحة أو مخالفة) إنما ينظر إلى الفعل المادي وإلى مرتكبه، وليس إلى الفعل المادي وحده، وهذا يتضح في نطاق الظروف القانونية المشددة بجلاء، فتلك العرض لمن يزيد سنة على سبع سنوات ولا يتجاوز الثامنة عشرة من عمره يعد جنحة متى كان واقعا بدون إكراه.
أما إذا وقع من ولي المجني عليه (القاصر) أو ممن في حكم الوالي فإنه يعد جناية (م 269 ع) وأيضا الإجهاض يعد جنحة إذا كان واقعا من شخص عادي (دون قصد منه الإسقاط بالضرب أو غيره من أنواع الإيذاء) يعد جنحة (م 261، 262 ع) ولكن إذا كان المتسبب فيه طبيبا أو جراحا أو صيدليا أو قابلة فإنه يعد جناية (م 263 ع) ، فالفعل في الأحوال السابقة واحد ولكن الخطورة المتمثلة في الجريمة والتي أدت لاعتبارها جناية تكمن في العنصر الشخصي [3] .
أما إذا كان العذر القانوني المخفف جوازيا للقاضي، مثل عذر المادة 251 ع وهو عذر نجاوز حدود حق الدفاع الشرعي بحسن نية"لا يعفى من العقاب بالكلية من تعدى بنيه سليمة حدود حق الدفاع الشرعي أثناء استعماله إياه دون أن يكن قاصدا إحداث ضرر اشد مما"
(1) د. محمد مصطفى القللي- أصول تحقيق الجنايات ص 96، 98، د. محمود نجيب حسني المرجع السابق ص 209. شرح قانون العقوبات القسم العام سنة 1973 ص 64، د. عوض محمد- الوجيز في قانون الإجراءات ج 1 دار المطبوعات الجامعية ص 107، وكتابة جرائم الأشخاص والأموال ص 121، 122، جندي عبد الملك- الموسوعة الجنائية ج 3"جرائم"رقم 19 ن د. سمير الجنزوري- الأسس العامة لقانون العقوبات سنة 1977 ص 85، د. جلال ثروت- نظرية القسم الخاص (جرائم الاعتداء على الأشخاص) سنة 1979 مكتبة مكاوي ص 260، وقد ذهب البعض إلى القول بأن غدر الاستفزاز ينشئ جريمة من نوع خاص هي جنحة بالنظر إلى عقوبتها في النص وليست جناية. راجع د. عبد المهيمن بكر- القسم الخاص في قانون العقوبات طبعة سابعة سنة 1977 دار النهضة ص 605.
(2) نقض 7/ 3/1938 مجموعة القواعد القانونية ج 4 رقم 172 ص 156، 13/ 12/1943 ج 6 رقم 272 ص 350.
(3) د. محمد مصطفى القللي- المرجع السابق ص 97.