الشخص على نفسه أبلغ وأوجب من قوله على غيره (شهادته على غيره) [1] فإن أقر بحد بعد طول زمان أخذ بإقراره، فقد روى عن سحنون أنه قال: لو شرب الخمر في شبابه ثم تاب وحسن حاله وصار فقيها من الفقهاء وعابدا فشهدوا عليه أيحد أم لا في رأي مالك قال: نعم يحد [2] .
وقال سحنون. لو سرق فأخذه أصحاب المسروق فرد عليهم سرقتهم فتركوه، ثم رفعه إلى الإمام أشخاص آخرون أو ذهب هو إلى الإمام فأعترف بعد ذلك بزمان، قال عبد الرحمن بن القاسم: أنه يطبق عليه أحد (القطع) ، وهذا ما قاله الإمام مالك في شان السارق الذي يعفو عنه أصحاب الشيء المسروق أمام القاضي ثم يأتي آخرون ويرفوا الأمر إلى القاضي فإنه يقطع فهذا مثل ذلك، قال سحنون: لم يذكر عن مالك أن العفو عنه رد الشيء المسروق والذي نحن بصدده رد الشيء المسروق، فهل يقطع رغم رده ذلك الشيء المسروق؟، قال عبد الرحمن بن القاسم: نعم يقطع رد الشيء المسروق أو لم يرده فهو سواء من حيث وجوب تطبيق الحد عليه (القطع) [3] . ولذا فإن المذهب المالكي يقبل الشهادة والإقرار بالحدود مهما طال الزمن، وأن كانوا يقولون: أنه من المستحب الستر إلا في المشتهر عنه ارتكاب الحدود فيلزم الشهادة عليه [4] ولذا فالحدود كلها عندهم لا تسقط بالتقادم [5] .
وقال الحنابلة: وإن شهدوا بزنا قديم أو أقربه وجب الحد وبهذا قال مالك والأوزاعي والثوري وإسحاق وأبو ثور [6] ، ولمن عنده شهادة بحد كالزنا وشرب الخمر الشهادة أو الستر لأن حقوق الله مبينة على المسامحة ولا ضرر في تركها على أحد والستر مأمور به، وقد استحب القاضي وأصحابه وأبو الفرج وابن قدامة ترك الشهادة على الحدود ترغيبا في الستر
(1) تبصره الحكام لابن فرحون ج 2 ص 39 على هامش فتح العلي المالك -طبع دار المعرفة- بيروت.
(2) المدونة الكبرى ج 4 ص 432
(3) المدونة الكبرى ج 4 ص 424.
(4) تبصرة الحكم لابن فرحون ج 1 ص 207 على هامش العلي المالك- طبع دار المعرفة - بيروت.
(5) التاج والإكليل لمختصر خليل لابن عبد الله محمد بن يوسف ابن أبي القاسم العبدري الشهير بالمواق مطبوع بهامش مواهب الجليل لأبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن المغربي - المعروف بالخطاب ج 6 ص 313 طبعة أولى سنة 1329 هـ مطبعة السعادة.
(6) الشرح الكبير لابن قدامة المقدسي- مطبوع بأسفل المغني ج 10 مطبعة بالأوفست سنة 1392 هـ سنة 1972 م. دار الكتاب العربي للنشر والتوزيع. ص 205، الأحكام السلطانية للقاكي أبو يعلى محمد بن حسين الفراء الحنبلي ص 264 طبعة ثالثة سنة 1394 هـ.