أقول: لا تلازم بين الرد على المخالف والعفو عنه ، ولهذا فإن الإمام ابن تيمية الذي عفا عن أعدائه من المبتدعة كما ذكر المؤلف ذلك وأطال في ذكر صور عفوه ( في ص 16-18) لم يترك الرد عليهم بردود كثيرة طويلة عظيمة ، بين فيها بطلان بدعهم .
وذكر المؤلف حفظه الله في الحاشية مثالا على تفريق السلف بين الأشخاص ، وهو مارواه سعد بن عبيدة أن ابن عباس كان يقول: لمن قتل مؤمنا توبة . فجاءه رجل فسأله: ألمن قتل مؤمنا توبة ؟ قال: لا ، إلا النار فلما قام الرجل قال له جلساؤه: ما كنتَ هكذا تفتينا ، كنت تفتينا أن لمن قتل مؤمنا توبة مقبولة ، فما شأن هذا اليوم ؟ قال: إني أظنه رجلا يغضب يريد أن يقتل مؤمنا . فبعثوا في أثره ، فوجدوه كذلك .
قال سفيان: كان أهل العلم إذا سئلوا قالوا: لا توبة له . فإذا ابتلي رجل قالوا له: تب .
أقول: هذا مثال لا علاقة له بموضوع البحث ؛ وهو الرد على المخالف ، وإنما هو في موضوع الفتوى وطريقتها .
ثم إن ذكر المثالين عن ابن عباس وعن سفيان في توبة القاتل قد يفهم منه قارىء أن الفتوى تتغير بتغير المصلحة ، وإن كان ذلك مخالفا النص . وهذا مثل القصة الباطلة التي تذكر في كثير من كتب الأصول وغيرها . قال الغزالي:
قول بعض العلماء لبعض الملوك لما جامع في نهار رمضان:"إن عليك صوم شهرين متتابعين ، فلما أُنكِر عليه حيث لم يأمره بإعتاق رقبة مع اتساع ماله قال: لو أمرته بذلك لسهل عليه واستحقر إعتاق رقبة في جنب قضاء شهوته ، فكانت المصلحة في إيجاب الصوم ؛ لينزجر به"فهذا قول باطل ومخالف لنص الكتاب بالمصلحة ، وفتح هذا الباب يؤدي إلى تغيير جميع حدود الشرائع ونصوصها بسبب تغير الأحوال ثم إذا عرف ذلك من صنيع العلماء لم تحصل الثقة للملوك بفتواهم ، وظنوا أن كل ما يفتون به فهو تحريف من جهتهم بالرأي . (المستصفى 1/174) .