والمقصود أن عفوه عنهم ليس"لأنه عاش في عصر تفشت فيه البدع والأهواء والضلالات، وصار أهل السنة غرباء، فمثل هذه الحال لا يتعامل معها بمثل ما يتعامل به مع البدع وأهلها في أوائل ظهورها مع ذيوع السنة واشتهارها"كما قال المؤلف حفظه الله، فالسلطان لم يعاقبهم على بدعتهم أصلا حتى يقال: إن ابن تيمية تدخل وطلب العفو عنهم للعلة التي ذكرها المؤلف، ولم يوكل إليه الحكم عليهم لبدعتهم، بل الذي حصل في آخر الأمر أنه هو الذي سُجن في القلعة بسبب فتواهم فيه وحكمهم عليه، وتوفي فيها مظلوما. والحاصل أن عفوه عنهم لا علاقة له ببدعتهم، وإنما كان لظلمهم لشخصه، فعفا عنهم عملا بالنصوص الواردة في فضل العفو، كقوله تعالى: {والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} (آل عمران:134) ، والأحاديث المروية في فضل من عفا عمن ظلمه، ووصل من قطعه، وأحسن إلى من أساء إليه.
وعفو أئمة أهل السنة عمن ظلمهم كثير، وغير مرتبط بالبدعة، وقد عفا الإمام أحمد عن المعتصم، وهو من المعتزلة القائلين بأن القرآن مخلوق، فعفا عن ضربه إياه، وقال: أحللت المعتصم من ضربي. وعفا عمن وشى به إلى السلطان، ولو أشار أحمد على السلطان بقتله لفعل، ولكنه عفا عنه، وقال: لعله يكون له صبيان يحزنهم قتله. (انظر مناقب الإمام أحمد /303) . وقال الإمام أحمد لابنه صالح: مررت بهذه الآية {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} (الشورى:40) فنظرت في تفسيرها فإذا هو ما حدثني به هاشم بن القاسم حدثنا المبارك قال: حدثني من سمع الحسن يقول: إذا جثت الأمم بين يدي الله تبارك وتعالى يوم القيامة نودوا: ليقم من أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا. قال: فجعلت الميت في حل من ضربه إياي، ثم جعل يقول: وما على رجل أن لا يعذب الله بسببه أحدا. (سيرة الإمام أحمد لابنه صالح/64) .