أقول: هذا الإطلاق فيه نظر ، فإن كان مقصود المؤلف أن معنى المحاجة لم يرد استحسانه في القرآن فقد ناقض المؤلف نفسه بعد صفحات من هذا الموضع ، تحت عنوان"ماورد من تقرير ذلك وفعله"، فقال المؤلف:
أولا: من القرآن الكريم . وذلك نوعان:
الأول: الردود القرآنية على دعاوى المبطلين ، وهذا النوع كثير جدا في القرآن ...
الثاني: ماقصه الله - تعالى - من المحاجة والمجادلة بين أهل الإيمان من الرسل وأتباعهم والكفار ، وذلك في مواضع كثيرة من كتاب الله - تعالى - كمحاجة إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه كما في سورة الأنعام ، ومريم ، والشعراء ، والصافات ، وكما في محاجته للنمروذ كما في سورة البقرة ، وكذلك محاجته عبدة الكواكب كما في سورة الأنعام وإيراد هذا كله في كتاب الله بمثابة التعليم من الله - تعالى - لخلقه للسؤال والجواب والمحاجة والمجادلة كما قال ابن عبدالبر رحمه الله . (فقه الرد 67-69) .
أقول: وهل يعلمهم ربهم شيئا غير مستحسن ؟!
وإن كان مقصود المؤلف من قوله بأن المحاجة لم يرد استحسانها في القرآن لفظ الكلمة واشتقاقاتها ففي هذا نظر أيضا ، فقد قال تعالى ذاكرا نعمه على نبيه إبراهيم عليه السلام: { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم . ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا } (الأنعام: 83-84)
قال القرطبي: {وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم} "تلك"إشارة إلى جميع احتجاجاته حتى خاصمهم وغلبهم بالحجة . (تفسير القرطبي 7/30) .
وقال ابن عبدالبر: {نرفع درجات من نشاء} قالوا: بالعلم والحجة . (جامع بيان العلم 2/955) .
وقال البغوي: قوله عز وجل: { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه } حتى خصمهم وغلبهم بالحجة ( نرفع درجات من نشاء ) بالعلم ، أي نرفع درجات من نشاء بالعلم والفهم والفضيلة والعقل كما رفعنا درجات إبراهيم حتى اهتدى وحاج في التوحيد. (تفسير البغوي 2/112) .