جواب الاعتراض الثالث:
وهو أن الإجماع المنقول على نجاسة الدم لا مستند له حيث لم يرد حديث يثبت نجاسته ولا دلالة في الآية على ذلك.
ـــ اعلم أن هذا الاعتراض والثلاثة التي تليه مبنية على التسليم بحجية الإجماع، إلا أن أصحابها يعترضون على هذا الإجماع بعينه من ناحية ثبوته وانتهاضه للاحتجاج به.
وحاصل هذا الاعتراض أن الإجماع لابد له من مستند، وأن الآية التي يُدَّعى أنها مستند الإجماع وهي قول الله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) لا دلالة فيها على نجاسة الدم وذلك لأمرين اثنين:
ـــ كلمة رجس في الآية لا تعني النجاسة بل تعني المحرم لأن الآية مسوقة لبيان التحريم.
ـــ الضمير في قوله تعالى (فَإِنَّهُ رِجْسٌ) لا يرجع إلا إلى الخنزير فقط دون باقي المذكورات.
وقبل الجواب عن هذا الاعتراض نذكر أولًا أصلًا عظيمًا في هذا الباب، فنقول بحول الله وقوته:
إن هذا الاعتراض ينبئ عن عدم إدراك قضية الإجماع ووظيفته إدراكًا صحيحًا، فإن من أهم وظائف الإجماع أنه ينقل الحكم من محل الظنية إلى محل القطعية فيحسم مادة الخلاف فيه ويغلق باب الاجتهاد في فهم أدلته؛ ولذلك قلنا إن الإجماع يحفظ على هذه الأمة دينها وثوابتها، وبيان ذلك أن نقول:
نسلم بأن الإجماع لا يصح أن ينعقد إلا عن مستند، ولكن هل يلزم أن يكون هذا المستند منقولًا إلينا؟، وإذا نُقِل فهل يلزم أن يكون نصًا قطعيًا أو ظاهر الدلالة على حكم الإجماع؟.
الجواب: لا.
بل قد ينقل الإجماع ولا ينقل مستنده اكتفاءً بنقل الإجماع، وليس في ذلك تضييع للشرع كما توهم البعض، لأن المراد هو نقل الحكم وقد حفظته الأمة ونقلته بالإجماع.
قال الشيرازي:"اعلم أن الإجماع لا ينعقد إلا عن دليل فإذا رأينا إجماعهم على حكم علمنا أن هناك دليلًا جمعهم، سواء عرفنا ذلك الدليل أو لم نعرفه" [1]
قال الزركشي:"قال الأستاذ أبو إسحاق:"لا يجب على المجتهد طلب الدليل الذي وقع الإجماع به، فإن ظهر له ذلك أو نقل إليه كان أحد أدلة المسألة"، وقال أبو الحسن السهيلي:"إذا أجمعوا على حكم، ولم يعلم أنهم أجمعوا عليه من دلالة آية أو قياس أو غيره فإنه يجب المصير إليه، لأنهم لا يجمعون إلا عن دلالة، ولا يجب معرفتها"".
وقال أيضًا:"يجوز للمجمعين ترك الدليل بعد اشتهار المسألة وانعقاد الإجماع" [2]
(1) اللمع، لأبي إسحاق الشيرازي (183) .
(2) البحر المحيط، الزركشي (4/ 454، 455) .