فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 61

وقال الرازي في المحصول:"يجوز أن يصدر الإجماع عن خبر ثم لا ينقل ذلك الخبر أصلًا استغناءً بالإجماع عنه، وإذا جاز ذلك فالأولى أن يجوز أن يصدر إجماعهم عن خبر ثم يضعف نقله استغناءً بالإجماع عنه" [1]

إذًا قد ينقل الإجماع دون مستنده، أو ينقل مستنده بإسناد ضعيف، أو يكون خفي الدلالة جدًا بحيث لا يفهمه كل أحد، فيترك العلماء النص عليه ويُكتَفَى ببيان أن في المسألة إجماعًا، وسيأتي بمشيئة الله ذكر أمثلة على كل ذلك.

وكذلك قد يكون مستند الإجماع ظني الدلالة يحتمل أكثر من معنى، فتُجمِع الأمة على تعيين أحد هذه المعاني، فيلزم من ذلك إلغاء المعاني المحتملة الأخرى؛ لأن الإجماع قد دل على أنها غير مرادة، وهذا هو معني القول بأن الإجماع ينقل الحكم من محل الظنية إلى محل القطعية، وأنه يغلق باب الاجتهاد في فهم مستنده ولو كان يحتمل أكثر من فهم.

مثال ذلك: قول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) [2]

فالمقصود من الآية: إذا أردتم الصلاة فتوضئوا، فيكون الوضوء قبل الصلاة، ولو قال قائل إن ظاهر الآية أن الوضوء يكون بعد القيام إلى الصلاة لأنَّ (قمتم) فعل ماضٍ والفاء في قوله (فاغسلوا) للتعقيب، لكان لكلامه وجهٌ من جهة اللغة، ولكنه باطل شرعًا بلا شك للإجماع على خلافه، فالإجماع هنا أغلق باب الاجتهاد في فهم الآية وعين المعنى المراد منها الذي لا يقبل فهمٌ غيره وإن احتملته الآية لغويًا.

إذًا، فالإجماع قد حول الدليل الظني الدلالة إلى دليل قطعي لا اجتهاد في فهمه، ولتقرير هذا الفهم وتلخيصه وتقريبه أرى أنه ينبغي أن نُعبر عن قاعدة (لا اجتهاد مع النص) بـ (لا اجتهاد مع القطع) ؛ لتشمل القاعدةُ الدليل الظني الذي عين الإجماعُ المرادَ منه، ولتشمل أيضًا الخبر المتواتر فتدل القاعدة على أنه لا مجال للاجتهاد في ثبوته.

إن إدراك هذه الوظيفة الجليلة التي يقوم بها الإجماع تجعلنا ندرك أهمية الإجماع في حفظ الدين، وصد هجمات التحريف والتبديل التي تُقدَّم تحت شعارات التجديد وفتح باب الاجتهاد [3] ، والتي يقوم أكثرها على طرح فهمٍ جديدٍ لآياتٍ وأحاديثَ ظنية الدلالة أجمع أهل العلم على تعيين الفهم المراد منها، وذلك كمحاولات تقديم تفسيراتٍ جديدةٍ لآيات المواريث والشهادات والحجاب والجهاد والولاء والبراء وغيرها.

(1) المحصول في علم الأصول، محمد بن عمر الرازي (3/ 338) .

(2) المائدة (6) .

(3) قال العلامة الشيخ بكر بن عبد الله أبوزيد"كلمة حق يُراد بها باطل وهى (الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد) ، وهذه من أعظم مداخل الاستعمار للاقتراب بالإسلام من أفانين المدنية الحاضرة"كتاب (التعالم) ص (67) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت