وإن الوقوف عند الفهم الذي أجمع عليه العلماء للنصوص الظنية المحتملة، هو الانضباط بفهم السلف في واحدةٍ من أهم صوره، فعجبًا لمن ينتسب إلى السلفية ثم يطرح فهمًا أجمع عليه السلف والخلف ولم يظهر خلافه على مدار ألف ومائتي عام.
وأختم بيانَ هذا الأصل بذكر عدة إجماعات لا يُعرَف لها مستندٌ من كتابٍ أو سنةٍ صحيحةٍ، تمثيلًا لما ذكرناه آنفًا:
1ـــ أجمعوا على أن الماء إذا تغير لونه أو ريحه أو طعمه بنجس فهو نجس، وقد اتفقوا على ضعف الحديث الوارد بمعناه [1] .
و هنا وقفة مهمة:
لو قال قائل: قد قال النبي صلى الله عليه وسلم"الماء طهور لا ينجسه شئ" [2] ،وكلمة (شئ) نكرة في سياق النفي، فتعم كل شئ حتى التغير بالنجاسات، وإجماعكم لا مستند له، لأن الحديث الوارد بمعناه ضعيفٌ بالاتفاق فلا دلالة فيه، والأصل في الأشياء الطهارة حتى يقوم الدليل الصحيح الصريح على النجاسة، والحكم بنجاسة شئٍ يستلزم تكليف العباد بحكم، والأصل البراءة من ذلك، لاسيما في الأمور التي تعم بها البلوى، وعليه فالماء المتغير بالنجاسات طهور - وهذه هي عين الطريقة التي قرر بها الشوكاني طهارة الدم - كان كلامه مردودًا عند جميع أهل العلم ولم يقبل أحد قوله، ولذلك قال الشوكاني نفسه:"فما بلغ مقدار القلتين فصاعدًا فلا يحمل الخبث ولا ينجس بملاقاة النجاسة إلا أن يتغير أحد أوصافه فنجس بالإجماع" [3] وهذا الكلام منه رحمه الله بالمقارنة بموقفه من نجاسة الدم تناقض بلا شك.
2ــ أجمعوا على حرمة بيع الكالئ بالكالئ، والحديث فيه ضعيف، وقد ضعفه الإمام أحمد وقال إنما هو إجماع [4] ، فلم يمتنع من القول بالإجماع مع أنه يضعّف الحديث الوارد فيه.
3ــ أجمعوا على تقديم الدَّين على الوصية مع كون ذلك مخالفًا لنظم القرآن، ومع اختلافهم في صحة الأثر الوارد به عن علي رضي الله عنه، ولذلك قال البخاري:"باب تأويل قول الله تعالى (من بعد وصية يوصي بها أو دين) ويُذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدين قبل الوصية"، قال الحافظ:"هذا طرف من حديث أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما من طريق الحارث - وهو الأعور- عن علي بن أبي طالب قال: قضى محمد صلى الله عليه وسلم أن الدين قبل الوصية، وأنتم تقرءون الوصية قبل الدين لفظ أحمد وهو إسناد ضعيف لكن قال الترمذي أن العمل عليه عند أهل العلم" [5] .
(1) المجموع (1/ 160) .
(2) أبوداود: (1/ 12/ ح 66) ، الترمذي: (1/ 21/ح66) ، النسائي: (1/ 52 /ح328) ، وغيرهم.
(3) نيل الأوطار (1/ 36) .
(4) المغني، ابن قدامة (6/ 106) .
(5) فتح الباري، الحافظ ابن حجر العسقلاني (5/ 444) .