4ــ أجمعوا على أن الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة، ولا حجة في ذلك أصلًا إلا النظر وإشارات في القرآن مثل قول الله تعالى: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا) [1] فكأن الزوجة من نفس الزوج أي بعضه ولا يجزئه أن يعطي الزكاة لبعضه، ولا يخفاك بُعْدُ هذا الاستدلال وخفاؤه، ولو قال قائل أنه منتقض بعموم قول الله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ... ) [2] والزوجة الفقيرة تدخل في هذا العموم لكان له حظ من النظر، ولم يَقوَ على رده مثل هذا الاستدلال، ولكن مع ذلك فقوله مردود للإجماع.
5ـــ وتأمل ما نقله ابن القيم عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله في أن طلاق الأمة ثنتان وعدتها حيضتان حيث قالا:
"إن هذا ليس في كتاب الله ولا في سنة رسول الله ولكن عمل به المسلمون" [3] .
والصحيح أن المسألة قد وقع فيها الخلاف وإنما وجه الدلالة من النقل هو احتجاجهما بالإجماع الذي ثبت عندهما دون البحث عن مستنده.
خلاصة ما مضى:
ـــ أنه قد يُكتفى بنقل الإجماع فلا يُنقل مستنده، أو ينقل لكنه يكون خفيًا.
ـــ أن إجماع العلماء على معنى معين من بين معانٍ محتملة لآية أو حديث يدل على أن هذا المعنى هو مراد الشرع ويلغي الاحتمالات الأخرى، فتصبح المسألة قطعية بعد أن كانت ظنية، ويُغلَق فيها باب الاجتهاد.
والآن ننتقل إلى مناقشة الكلام على الآية لنبين أنها تحتمل الدلالة على نجاسة الدم وتصلح مستندًا للإجماع.
قال الألوسي في تفسيره:" (أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ) أي اللحم كما قيل لأنه المحدَّث عنه أو الخنزير لأنه الأقرب ذكرًا، وذكر اللحم لأنه أعظم ما ينتفع به منه فإذا حرم فغيره بطريق الأولى، وقيل- وهو خلاف الظاهر - الضمير لكل من الميتة والدم ولحم الخنزير على معنى فإن المذكور (رِجْسٌ) أي قذر أو خبيث مخبث" [4] .
وهذا الاحتمال الذي ذكره الآلوسي قد رجحه غيره من العلماء ولذلك استدلوا على نجاسة الدم بالآية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في شرح عمدة الفقه:"فإن الحكم بنجاسة الدم ونجاسة ذبائح المشركين إنما عُلِمَ لما حرمت الميتة والدم ولحم الخنزير" [5] فهذه إشارة إلى أنه استدل على نجاسة الدم بالآية.
وقال الشيخ السعدي رحمه الله:" (أَوْ لَحْمَ خِنزيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) أي: فإن هذه الأشياء الثلاثة رجس، أي: خبث نجس مضر، حرمه الله لطفًا بكم، ونزاهة لكم عن مقاربة الخبائث" [6] .
(1) الروم (21) .
(2) التوبة (60) .
(3) زاد المعاد، ابن قيم الجوزية (4/ 122) .
(4) تفسير روح المعاني، الألوسي (8/ 47) .
(5) عمدة الفقه، ابن تيمية الحراني (4/ 409) .
(6) تفسير السعدي (268) .