وقال الشيخ العثيمين رحمه الله: (ولو رجعتم إلى الكتاب والسنة لوجدتم فيهما ما يدل على نجاسة الدم المسفوح ودم الحيض ودم الجرح، فأما نجاسة الدم المسفوح ففي القرآن قال الله تعالى:(قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ) ، فإن قوله (محرمًا) صفة لموصوف محذوف والتقدير: شيئًا محرمًا، والضمير المستتر في (يكون) يعود على ذلك الشيء المحرم، أي: إلا أن يكون ذلك الشيء المحرم ميتة ... إلخ، والضمير البارز في قوله (فإنه) يعود أيضًا على ذلك الشيء المحرم، أي: فإن ذلك الشيء المحرم رجس، وعلى هذا فيكون في الآية الكريمة بيان الحكم وعلته في هذه الأشياء الثلاثة: الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير، ومن قصر الضمير في قوله (فإنه) على لحم الخنزير معللًا ذلك بأنه أقرب مذكور فقصره قاصر، وذلك لأنه يؤدي إلى تشتيت الضمائر وإلى القصور في البيان القرآني حيث يكون ذاكرًا للجميع (الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير) حكمًا واحدًا ويعلل لواحد منها فقط، وكذلك من قصره على لحم الخنزير معللًا بأنه لو كان الضمير للثلاثة لقال: فإنها أو فإنهن، فجوابه: أنا لا نقول إن الضمير للثلاثة بل هو عائد إلى الضمير المستتر في ـــ يكون ــــ المخبر عنه بأحد الأمور الثلاثة) ثم قال بعدها رحمه الله:"وبهذا تقرر دلالة القرآن على نجاسة الدم المسفوح" [1] .
وأما زعم الإمام الشوكاني أن كلمة رجس لا تعني النجس إلا بدليل كما قال في السيل الجرار فمنتقض بأمرين:
أولًا: كلام أهل اللغة دال على أن الرجس هو النجس، وأن هذا معنى أصيل للكلمة لا تحتاج إلى دليل لتحمل عليه.
قال ابن منظور في لسان العرب:"الرِّجْسُ القَذَرُ وقيل الشيء القَذِرُ ورَجُسَ الشيءُ يَرْجُسُ رَجاسَةً وإِنه لَرِجْسٌ مَرْجُوس وكلُّ قَذَر رِجْسٌ ورجل مَرْجوسٌ ورِجْسٌ نِجْسٌ ورَجِسٌ نَجِسٌ قال ابن دريد وأَحسبهم قد قالوا رَجَسٌ نَجَسٌ وهي الرَّجاسَةُ والنَّجاسَة" [2] .
ثانيًا: منتقض باستدلال الشوكاني نفسه بالآية على نجاسة الخنزير، فإذا كانت كلمة (رجس) في الآية تعني المحرم، والآية مسوقة للتحريم لا لبيان حكم الأعيان من حيث الطهارة أو النجاسة كما قرر هو في رد الاستدلال بالآية على نجاسة الدم، فلماذا استدل بها على نجاسة الخنزير؟!
قال رحمه الله في الدراري المضية:"وأما سائر الدماء فالأدلة فيها مختلفة مضطربة، والبراءة الأصلية مستصحبة حتى يأتي الدليل الخالص عن المعارضة الراجحة أو المساوية، ولو قام الدليل على رجوع الضمير في قوله تعالى (فإنه رجس) إلى جميع ماتقدم في الآية الكريمة من الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير لكان ذلك مفيدًا لنجاسة"
(1) مجموع فتاوى ابن عثيمين (11/ 264) .
(2) لسان العرب، محمد بن منظور الأفريقي المصري، مادة (رجس) ، (3/ 1590) .