ولا يستلزم أن يكون المتخصص في فقه الواقع أحد خريجي كلية الشريعة، وإنما لا بد أن يكون لديه من العلم الشرعي ما يحتاج إليه في تخصصه، مما لا يعذر بجهله من فرض العين أو الكفاية.
ولنأخذ لذلك مثلا:
لو قامت حرب بين فئة مؤمنة وفئة كافرة، فإن المعني بفقه الواقع ممن يفتقد العلم الشرعي سيحلل الأحداث، ويتوقع النتائج معتمدا على الأسباب المادية فقط، فسيبدأ في إحصاء الجيوش، وما لدى كل فريق من عدة وعتاد، والظروف الجغرافية، وهلم جرا، بينما المتخصص في ذلك ممن يملك الدليل الشرعي سيبين أهمية الأسباب المادية، وأن الله قد أمرنا بالأخذ بها (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) [1] ولكنه يعلم أن الأسباب المادية ليست إلا وسيلة من وسائل النصر المشروعة، وأن هناك من الأسباب الشرعية ما تتضاءل أمامه الأسباب المادية، فيبني تحليله وتوقعه ضمن هذا الإطار (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [2] [سورة آل عمران، آية 173] . (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) [3] [سورة الشعراء، آية (61) ] . (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) [4] [سورة محمد، آية (7) ] .
وخير مثال حي معاصر الجهاد الأفغاني، كم كان سيصمد المجاهدون الأفغان في توقعات الخبراء الماديين؟ وكيف صمدوا في تحليل الفقهاء الشرعيين؟ ولماذا لم يحققوا الانتصار النهائي بعد سنوات من الجهاد؟ لا يدرك تفسير هذا إلا العلماء الربانيون.
ولنأخذ مثلا آخر: وهو أحداث الخليج، فقد تابعت ما كتبه كثير من الخبراء والمحللين في تقييمهم للأحداث ونتائجها، ولفت نظري التخبط والاضطراب في هذا الأمر؛ ولم أجد له سببا سوى البعد عن التحليل الشرعي، والاعتماد على الأسباب المادية بمعزل عن الرؤية الشرعية.
(1) - سورة الأنفال آية: 60.
(2) - سورة آل عمران آية: 173.
(3) - سورة الشعراء آية: 61.
(4) - سورة محمد آية: 7.