المتابع للواقع قد تدفعه الأحداث إلى مواقف لا يتبين أثرها إلا بعد حين، وقد تمر ظروف يجد المسلم نفسه في وضع لا يحسد عليه، من سوء الأحوال، وتفرق الأمة، ويرى المصائب تتوالى عليه من كل جانب، وهنا يأتي دور التأصيل الشرعي في معالجة الأمور وتحديد المواقف، ويبرز فقه المصالح والمفاسد، ودفع أحد الضررين بأخفهما، والتأمل فيما يترتب على الموقف من نتائج، بعيدا عن الحماس غير المنضبط، والاندفاع غير مدروس النتائج.
وأشير في هذا الموضع إلى مسألة مهمة، وهي أننا بأمس الحاجة إلى الحماس، ولكن هذا الحماس يجب أن يخضع للعقل، والعقل يجب أن يلتزم بقواعد الشرع، فإذا انفلت الحماس من ضوابط العقل أضر بصاحبه ومن حوله، والعقل إن لم يحكم بالشرع أدى إلى انحراف وضلال.
إذن الحماس مهم، ولكن العقل أهم منه، والعقل قوي، ولكن الشرع أقوى منه وأبعد نظرا، فإذا اجتمع الحماس مع العقل في ضوء الشرع كانت النتائج حميدة، والمواقف سليمة، وإذا اختل ركن منها، ضعف الطالب والمطلوب.
والحكمة في التعامل مع الواقع هي ما أعنيه وأقصده، وهي الدرع الواقي من المزالق، فلا إفراط ولا تفريط (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [1] [سورة النحل، آية: (125) ] . (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) [2] [سورة البقرة، آية: (269) ] .
خامسا: عدم الجزم والقطع في توقع المستقبل
من الأمور التي يحتاج إليها المتخصص في فقه الواقع النظر في المستقبل وتوقع الأحداث، وذلك من أجل التخطيط للأمة، وتبصيرها بما يحاك لها من قِبَل أعدائها.
(1) - سورة النحل آية: 125.
(2) - سورة البقرة آية: 269.