ولست هنا في سبيل بيان ذلك وشرحه، وإنما أردت أن أؤكد على أهمية هذا المقوم، وعدم الغفلة عنه، ومدى تأثيره سلبا أو إيجابا على فقه الحاضر، ورؤية المستقبل، و"من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" [1] .
من أجل أن تفقه الواقع لا بد أن تعيش هذا الواقع، أن تكون عنصرا متأثرا ومؤثرا فيه.
والذي يعيش على هامش الحياة لا يستطيع أن يدرك أبعاد هذا العالم وما يجري فيه.
ولهذا فمن لوازم هذا العلم أن تتفاعل مع الأحداث تفاعلا إيجابيا، تفرح لكل خبر مفرح، وتحزن لمآسي المسلمين ومصائبهم، ولا تتوقف عند مجرد التأثر فرحا أو حزنا، وإنما يجب أن تكون مؤثرا في هذا الواقع، أي عنصرا عاملا متحركا، متجاوبا مع الأحداث، حسب الحاجة والطاقة.
ولذا فالطبيب الذي يقبع في بيته بعد تخرجه في كلية الطب، لا يفتح عيادة، ولا يكشف على المرضى، ولا يجري العمليات، ولا يتابع المستجدات في علم الطب، ويعالج الناس بالهاتف أو بالمراسلة لا يمكن أن يكون طبيبا ناجحا، وإن أصاب مرة أخطأ مرات، وقد يكون علاجه مهلكا للمريض.
فكذلك المعتزل لحياة المسلمين، البعيد عن شئونهم وشجونهم، لا يتأثر ولا يؤثر، هذا مهما كتب وحلل وناقش فسيبقى تحليله باردا ساذجا، غير واقعي في كثير من مضامينه:
من يهن يسهل الهوان عليه ... ما لجرح بميت إيلام
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى ... كيما يصح به وأنت سقيم
سادسا: حسن اختيار المصادر
مشكلة فقه الواقع تباين مصادره، وتعارضها، فمصادر الفقه كتب الفقه وأصوله، ومصادر اللغة كتب اللغة، أما مصادر فقه الواقع - سيأتي بيانها في آخر هذه الرسالة - فإنها متعددة متنوعة متباينة، فمن
(1) - متفق عليه، البخاري 1/ 150، 151 ومسلم (1037) .