عندما نغفل عن واقعنا، ونكتفي بتلمس ظواهر الأمور دونما إدراك لحقائقها، قد نغفل عما يكاد لهذه الأمة ويحاك لها، وبالتالي سننشغل عن العمل الإيجابي الجاد، وقد ينصرف طالب العلم إلى أمور جانبية ظنا منه أن الأمور تسير على خير، وأن ليس هناك ما يكدر صفوها، أو يهدد كيان الأمة ومستقبلها.
ولكن عندما نفقه الواقع على حقيقته، دون إفراط أو تفريط، سندرك جهود الأعداء في الداخل والخارج لضرب الأمة في أعز ما تملكه، وهو دينها، وهنا نكون على مستوى المسئولية، وتزول الغشاوة التي تضعف رؤيتنا، وتنتهي المعاذير التي يرددها كثير من الناس، بدعوى أن الأمور بخير، وأننا أحسن من غيرنا، ونحن -ولا شك- بحمد الله وفضله أحسن من غيرنا، ولكن استمرار هذا القول، دون عمل أي جهد للمحافظة على هذا"الخير"و"الحسن"قد يؤدي إلى فقدانه وزواله (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [1] [سورة إبراهيم، آية: (7) ]
وفقه الواقع بالتالي عامل مساعد للتغلب على المعوقات التي تواجهنا عندما نقوم بما أوجب الله علينا، فإدراكنا لقوله تعالى: (الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ) [2] [سورة العنكبوت، الآيتان: (1 - 2) ] وفقهنا لقوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ) [3] [سورة التوبة، آية: (16) ] . ومعرفتنا بما لاقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام من عقبات في طريق دعوتهم، كل ذلك سيزيد من إيماننا بأن العاقبة للمتقين، مهما طال الطريق وتعددت المعوقات.
وفي الوقت نفسه ففقهنا لما عليه أعداؤنا، وما يكابدونه من مشاق في تحقيق أهدافهم الباطلة ومآربهم الخبيثة، يزيد من تحملنا في سبيل أهدافنا السامية، وغاياتنا النبيلة (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) [4] [سورة آل عمران، آية: (140) ] . (وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ) [5] [سورة النساء، آية: (104) ] .
(1) - سورة إبراهيم آية: 7.
(2) - سورة العنكبوت آية: 1 - 2.
(3) - سورة التوبة آية: 16.
(4) - سورة آل عمران آية: 140.
(5) - سورة النساء آية: 104.