إدراكه صلى الله عليه وسلم واقع كل بلد وما يحتاج إليه؛ ولذلك قال له:"فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله ...." [1] الحديث.
وكذلك نلمس عمق هذا العلم في غزواته، ورسائله إلى الأمم والملوك والقبائل. وكذلك يبرز هذا الجانب في استقباله للوفود، وتعامله معهم، وإنزاله للناس منازلهم.
إن لم يكن هذا هو من الذروة في فقه الواقع فأين يكون؟ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [2] [سورة الأحزاب، آية: 21] .
ومن أقوى الأدلة على عناية الكتاب والسنة بفقه الواقع قصة فارس والروم، وفيها يبرز اهتمام الصحابة أيضا بهذا العلم، وإدراكهم لأهميته، والقصة كما وردت في سورة الروم، أنه قامت حرب بين فارس والروم، فانتصر الفرس على الروم، وهنا حزن المسلمون لهذ الأمر، فقام أبو بكر رضي الله عنهوراهن أحد المشركين على انتصار الروم على الفرس، وحدد لذلك أجلا قصيرا.
فأخبر أبو بكر رضي الله عنهالرسول صلى الله عليه وسلم بذلك فأقره، وأمره بزيادة مدة الأجل إلى عشر سنين، ففعل أبو بكر، وجاءت الآيات في سورة الروم (الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) [3] [سورة الروم الآيات: 1 ـ 5]
ويبرز فقه الواقع في هذه القصة فيما يلي:
1 ـ أن القصة بين فريقين كافرين، ومع ذلك خلدها القرآن الكريم؛ لأثرها المباشر على حياة المسلمين.
2 ـ اهتمام المسلمين بهذه القضية، وحزنهم عندما انتصرت فارس، وفرحهم عندما انتصر الروم.
3 ـ معايشة أبى بكر لهذه الأحداث، والمراهنة على انتصار الروم.
(1) - متفق عليه- البخاري 8/ 267، ومسلم (2583) .
(2) - سورة الأحزاب آية: 21.
(3) - سورة الروم آية: 1 - 5.