وأنت صغيرة، فعليك بأطيب الطيب الماء، وأحسن الحُسن الكحل، وإياك وكثرة المعاتبة فإنها قطيعة للود، وإياك والغيرة فإنها مفتاح الطلاق، وكوني لزوجك أمة يكن لك عبدًا، واعلمي أني القائل لأمك:
خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب
ولا تنقريني نقرة الدف مرة ... فإنك لا تدرين كيف المغيّب
ولا تكثري الشكوى فتذهب بالقوى ... ويأباك قلبي والقلوب تقلب
فإني رأيت الحب في القلب والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب [1]
-وأوصت أمامة بنت الحارث ابنتها أم إياس بنت عوف بن محلم الشيباني، ليلة زفافها إلى الحارث بن عمرو ملك كندة، فقالت: أي بنية: إن الوصية لو تركت لفضل أدب لتركت ذلك لك، ولكنها تذكرة للغافل، ومعونة للعاقل، ولو أن امرأة استغنت عن الزوج لغنى أبويها، وشدة حاجتهما إليه - كنت أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خلقن، ولهن خلق الرجال، أي بنية: إنك فارقت الجو الذي منه خرجت، وخلفت العش الذي فيه درجت، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فأصبح بملكه عليك رقيبا ومليكا، فكوني له أمة يكن لك عبدا وشيكا، واحفظي له خصالا عشرا، يكن لك ذخرا.
يا بنية: احملي عني عشر خصال، تكن لك ذخرا وذكرا، الصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة، والتعهد لموقع عينه، والتفقد لموضع أنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا طيب ريح، والكحل أحسن الحسن، والماء أطيب الطيب المفقود، والتعهد لوقت طعامه، والهدوء عنه عند منامه، فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مبغضة، والاحتفاظ ببيته وماله، والإرعاء على نفسه وحشمه وعياله، فإن الاحتفاظ بالمال حسن التقدير، والإرعاء على العيال والحشم حصن التدبير، ولا تفشي له سرًا، ولا تعصي له أمرا، فإنك إن أفشيت له سره، لم تأمني غدره، وإن عصيت أمره أوغرت صدره، ثم اتقي مع ذلك الفرح إن كان ترحا، والاكتئاب عنه إن كان فرحا، فإن الخصلة الأولى من التقصير، والثانية من التكدير، وكوني أشد ما تكونين له إعظاما، يكن اشد ما يكون لك إكراما، وأشد ما تكونين له موافقة، يكن أطول ما تكونين له مرافقة، واعلمي أنك لا تصلين إلى ما تحبين حتى تؤثري رضاه على رضاك، وهواه على هواك في ما أحببت وكرهت، والله يخير لك.
(1) المرأة في الشعر الجاهلي /158، والأسرة في التشريع الإسلامي /133، والنجوم الزاهرة 1/ 179.