{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}
وكما هي عادة القرآن فإنه اذا ذكر حالا محمودة, فإنه يذكر ضدها ويذمها تتمة للبيان واستكمالًا للدلالة, ولذلك يقول تعالى:
{فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 22]
بل إن الله ضرب لنا مثلًا للتأثر بالوحي من تدبره وتأمله امتلأ خجلًا من حاله وحياء من الله, فإن الله تعالى ذكر أن أشد أنواع الجمادات وهي الجبال والحجارة لو أنزل عليها هذا القرآن لتأثرت وانفعلت به, حيث يقول تعالى:
{لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله}
ويقول تعالى:
{وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة:74]
وقال تعالى:
{وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى} [الرعد:31] .
بل إن الشجر ذاته يتأثر بذكر الله, ففي صحيح البخاري من حديث ابن عمر وجابر كليهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما انتقل إلى المنبر حَنّ الجذع وجعل يئن كما يئن الصبي الذي يُسَكَّن, وذلك من شدة فقده للذكر والوحي من رسول الله, حتى أن الحسن البصري لما جلس مرة يروي هذا الحديث لأصحابه بكي ثم قال: (أنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه من جذع شجرة) .
بل إن هذا التأثر النفسي والوجداني لا ينحصر فقط في الاستماع للوحي, بل إن المؤمن لا يملك نفسه أمام سائر حقائق الإيمان, فالمؤمن قد يسيطر عليه الحزن والبكاء نتيجة فوات"عمل صالح"يتقرب به إلى الله, وهذا الموضع لا يعقله غلاة المدنية, فلو شاهدوا رجلًا يبكي لفوات عبادة من العبادات لامتلؤوا انتقاصًا له, مع أن الله تعالى يحكي لنا طرفًا من أحوال الصحابة وكيف يتأثرون لفوات عمل صالح فيقول تعالى:
{وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ} [التوبة:92]
فإذا كان ذلك كذلك فكيف يليق بنا أن نستمع للوحي وحقائق الإيمان ببرود معرفي محض؟! وكيف يليق بنا أن نتعامل مع الانفعال الوجداني بالوحي والإيمان باعتباره لونًا من السذاجة الوعظية؟ الواقع أنه