فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 159

القارئ للتاريخ الإسلامي المبكر يلاحظ أن"البعد المدني"بدأ في التصاعد حتى بلغ ذروته في أواسط تاريخ الإسلام, فعصر النبي صلى الله عليه وسلم كان عصرًا يتميز بالبساطة والمحدودية المدنية, وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقلق على أصحابه أن يكون فارق الإمكانيات المادية بين المجتمع المسلم والكافر مثار شبهة على إيمانهم, وفي تلك القصة التي نقلها عمر بن الخطاب عن الأثاث الداخلي لبيت النبي صلى الله عليه وسلم وموقف عمر منه ورد فعل النبي صلى الله عليه وسلم تجاه ذلك دلالات بليغة في رسم المشهد, حيث روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب أنه قال:

(رفعت رأسي في بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر إلا أُهبًا ثلاثة, فلما رأيت أثر الحصير في جنبه قلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله, فاستوى النبي جالسا ثم قال: «أفي شك أنت يا بن الخطاب؟! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا» )

وما إن انتهى عصر النبوة وبدأ عصر الخلافة الراشدة إلا وفتحت الفتوح ومصرت الأمصار وانهالت الأموال وازداد تنظيم الدولة الإسلامية واستحداث الأجهزة الادارية كالدواوين والعشور والعطاء ونحوها.

وبعد عصر الخلافة الراشدة وتدشين الملك الأموي والملك العباسي انفجرت المعارف والعلوم العقلية والفلسفية والتجريبية, وازدهرت حركة الترجمة وبنيت لها المعاهد المتخصصة, وتنافست المؤسسات السياسية في اقتناء الكتب وعقد مجالس العلوم والمناظرات وتقريب المبدعين, وصنفت الموسوعات الكبرى في شتى الفنون والتي لا زالت مرجعًا إلى اليوم.

وهكذا فإن القارئ لتاريخ الإسلام المبكر يلاحظ كيف كان التقدم المدني يزداد مع تقدم التاريخ, فالملك العباسي أكثر تمدنًا ماديًا من الملك الأموي, والملك الأموي أكثر تمدنًا ماديًا من عصر الخلافة الراشدة, وعصر الخلافة الراشدة أكثر تمدنًا ماديًا من عصر النبوة.

فإذا جئنا نقارن هذه الصورة المتنامية في قيمتها المدنية -بحسب الواقع التاريخي- بالقيمة الدينية -بحسب الميزان الشرعي- وجدنا أن هذه المعادلة التاريخية بعكس الميزان الشرعي تمامًا, فهناك تناقض جدلي بين معدل المدنية ومعدل الخيرية, فبينما الخط البياني لمنسوب المدنية يتصاعد فإن الخط البياني لمنسوب الخيرية يتناقص.

وتراجع الخيرية كمعطى يدخل في"محكمات الشريعة"حيث ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ثبوتًا قطعيًا لايتطرق اليه الظن وليس من مسائل الاجتهاد, فقد ذكر غير وحد من أئمة المتخصصين في فن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت