فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 159

أثار بعض المعلقين على مقالة"مآلات الخطاب المدني"المنشورة في مجلة العصر عددًا من الاشكاليات, خصوصًا في المنتديات الحوارية التي تعكس الثقافة الشبابية السعودية.

وبالمناسبة فهذه المنتديات لايزال كثير من الدارسين يجهل غِناها في تزويد الدارس بمعطيات وعينات البحث في صورتها الطبيعية دون مداراة السياج الاجتماعي واعتبارات المجاملة, فهذه المنتديات تعتبر ترمومترًا دقيقًا لقياس النبض الفكري لشريحة"الشاب المتطلع للثقافة", ومن أراد أن يعرف كيف يفكر الشاب المثقف السعودي فلامناص له من رصد واستكشاف منظم لتلك المنتديات عبر جولات دورية هادئة تتأمل في تلك التساؤلات المشبوبة التي تتقاذفها تلك الأقلام بلامجيب يمتص ذلك القلق, وكثيرًا ماتكون فترات الاسترخاء أصدق لحظات التعبير عن التناقضات الداخلية.

وقد أرسل لي عدد من القراء الكرام استفسارًا عن هذه الاشكاليات المثارة, وقد لاحظت أن هذه الاشكاليات تدور حول أربع إشكاليات تكرر السؤال عنها: هل المقالة تهدف لإلغاء المدنية؟ وهل المقالة تستهدف التعميم؟ وهل التزهيد في الدنيا هو منهج صيانة الهوية ومقاومة التغريب؟ وهل المقالة كرست الفهم السلفي للنصوص ووأدت مشروع التجديد؟

وتبعًا لما لهؤلاء القراء الكرام من منزلة وتقدير فقد شعرت بأهمية كتابة"ملحق توضيحي"مختصر يعالج هذه الإشكاليات الأربع.

ويعنيني كثيرًا أن أؤكد للقارئ مجددًا حرصنا المشترك -بإذن الله- على تجنب شخصنة هذه القضية الرئيسية, وأن نستمر سويًا في التركيز على مناقشة التصورات والأفكار والمقولات بعيدًا عن الأسماء والأشخاص والتصنيف والتقييم, إذ الاشتغال بالأشخاص من أعظم ذرائع فساد النية وتهيُّج نزوة الانتصار للذات واضمحلال القضية, وهذا أمر مشاهد أكدته التجارب.

أولًا: إشكالية"أن المقالة تدعو لإلغاء المدنية":

الحقيقة أنني كنت أعلم مسبقًا أن بعض"غلاة المدنية"سيروج عن المقالة أنها تستهدف إلغاء المدنية, لأنهم يعتبرون أن أي إنزال للمدنية المادية الى مرتبة الوسيلة -التي هي دون الايمان والفرائض- فإنه يصب في إلغائها, ولذلك لم أتفاجأ كثيرًا بترويجهم المغلوط, فإذا كانوا قد تعسفوا في النصوص الشرعية, وانتقصوا أئمة القرون المفضلة, ومارسوا عملًا إعلاميًا منظمًا لتشويه الاتجاه الاسلامي وفقهائه ودعاته الكبار الذين لهم من السابقة الدعوية والفضل على من بعدهم, فكيف بمقالة متواضعة لم تأتِ بجديد بل قصاراها أن تكون لبنة في هذا الطريق.

والمقصود أن المقالة الأساسية قد جاء في مواضع كثيرة منها أن هدف المقالة ليس"إلغاء المدنية"وإنما"ترتيب الأولويات", فالمقولة المركزية في خطاب غلاة المدنية هي"أولوية الحضارة"بمعناها الدنيوي المجرد, أما المقولة المركزية في خطاب الاتجاه الشرعي فهي"أولوية تحقيق العبودية"بمعناها الشامل, والتي تندرج فيها أعمال الحضارة بحسب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت