فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 159

بعض غلاة المدنية حين يتحدثون عن أولوية المدنية والحضارة المادية يستدلون كثيرًا بآيتي العمارة والاستخلاف, ويعولون عليهما كثيرًا في تأسيس رؤيتهم, فيستدلون بقوله تعالى:

{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود:61]

وبعضهم يستدل بقوله تعالى:

{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة:30]

والواقع أن الخلل في هذا الاستدلال ناشئ عن تغييب عدة معطيات, منها:

1.أن معنى قوله تعالى في الآية"واستعمركم فيها"أي جعلكم عُمَّارًا في الأرض, فمعنى العمارة هاهنا لم يأت على أساس كونه مطلب شرعي, بل غاية ما فيه أنه جاء على أساس كونه نعمة كونية تستحق مقابلتها بالعبودية, وهذا معنى ظاهر في الآية لا يحتاج إلى كبير عناء لفهمه, فقد جاء في سياق الامتنان لا في سياق الحث والطلب, فنبيهم يأمرهم بالتوحيد مذكرًا لهم بأن الله تعالى خلقهم من هذه الأرض وجعلهم يعمرونها, فأين هذا المعنى من كل ما بنى عليه غلاة المدنية من الدلالات والتهويلات.

ومما يؤكد ذلك أن قوله تعالى"واستعمركم فيها"إنما وردت في قوم ثمود في مدائن الحجر بين تبوك والمدينة, وقوم ثمود لم يقصروا أصلًا في العمارة المادية, ومع ذلك عاقبهم الله بكارثة مرعبة قص الله خبرها في كتابه.

2.أنه على التسليم بأن العمارة في الآية السابقة جاءت بمعنى الطلب, فإن العمارة في كتاب الله نوعان: عمارة إيمانية وعمارة مادية, وكلاهما مطلوبان, ولكن أشرف هذين النوعين -بل هو الذي جاء مصرحًا بطلبه- إنما هو عمارة الأرض بالإيمان, كما قال تعالى:

{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة:18]

فهذه هي أشرف مراتب العمارة, والتي حرم منها من لم يستنيروا بنور النبوات كما قال تعالى:

{مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ} [التوبة:17]

فمن لم يعمر الأرض بالإيمان فلا زال في ظلمات وتيه وانحطاط ولم يبلغ التنوير الحقيقي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت