بعض غلاة المدنية في محاولتهم لاستبعاد صيغة العلاقة الدينية مع الحضارة الغربية يقولون: لا يمكن لنا أن نتعامل مع الغرب بذات الأدوات والصيغ الدينية التي حملها الوحي تجاه الكفار, ذلك أن الواقع الغربي المعاصر يختلف جذريا عن الكفار قبل هذا العصر, فالكفار في سابق العصور كانوا يناهضون النبوات والدعوات بدوافع دينية محضة, أما المؤسسة السياسية الغربية في هذا العصر فهي تتحرك وتخطط بدوافع مصلحية لا دينية محضة, فهي تراقب الحراك الإسلامي بدوافع إمبريالية لا دوافع عقائدية, بمعنى آخر إنه"كفر سياسي"وليس في حقيقته"كفر عقدي".
وهم يظنون بذلك أن هذا التصور ينبني عليه استبعاد القراءة الدينية والتعامل الديني مع المجتمع الغربي, وأن علينا ان نواجه الدوافع المصلحية بدوافع مصلحية مماثلة, لا أن نواجه الدوافع المصلحية بموقف ديني أو عقائدي.
والواقع أن منشأ الخلل في هذه الأطروحة ليس في تصور دوافع المؤسسة السياسية الغربية المعاصرة, وإنما في الآثار التي توهموا أنها تنبني على هذا التصور!
فالمؤسسة السياسية الغربية هي مؤسسة كولونيالية/استعمارية ليس في ذلك شك, لكن هل من قاوم الدين باعتباره يهدد مصالحه لا نقف منه موقف ديني؟
هذا التصور المختل نابع من الجهل بدلالات القرآن حول دوافع الكفار أساسًا, فجمهور الكفار الذين تحدث الله عنهم وقص لنا خبرهم وشرع لنا مناضلتهم وكشف لنا سوء مصيرهم لم يكونوا مدفوعين أصلًا بقناعات دينية محضة, بل إنما قاوموا النبوات والدعوات واتباع الرسل لأنهم رأوا في الدين ما يهدد"مصالحهم"الدنيوية, كمصلحة الاحتفاظ بالنفوذ والرياسة, أو تهديد مصادر الثروة, أو الحمية للآباء, أو الحسد العرقي, أو غيرها.
ومع ذلك كله فقد اتخذ القرآن منهم موقفًا دينيًا برغم أنهم مدفوعون في كفرهم بدوافع مصلحية مادية, بل إن هذا هو جوهر الابتلاء الديني بين الإيمان والكفر، وهو التنازل عن شهوات الدنيا ومصالحها من أجل الدين!
وانظر إلى رموز الكفار في القرآن الكريم تجد ذلك واضحا بينًا, فهذا فرعون وقارون وأهل الكتاب وأبو جهل وغيرهم إنما كانت دوافعهم للكفر دوافع مادية بحتة وليست دوافع عقائدية.
وفي نص مطول ومبدع لابن القيم حاول فيه تحليل دوافع الانحراف على ضوء القرآن نجتزئ منه هذا المقطع: