هذه المعاني الجليلة التي يريدها الله من العباد, والتي هي الهدف من خلق الإنسان أصلًا, وهي زبدة مشروع الرسالات منذ بدء الخليقة, لا يجوز تغييبها واختزال الشرائع بغايات مادية محضة.
وحين يتذكر الإنسان مقصود الله سبحانه بالضراعة والإخبات, وحب الله سبحانه وتعالى لهذه الحال الإيمانية, وكيف أرسل الرسل ووالى النعماء والضراء طلبًا لها من عباده, فإنه لابد أن يتذكر معها دومًا قصة تضرع النبي صلى الله عليه وسلم حتى أشفق عليه أبوبكر من شدة اجتهاده في الضراعة.
حديث عجيب, يهتف فيه محمد بربه, ويشفق عليه ابوبكر, وصادف أن الذي رأى ذلك المشهد ورواه هو عمر بن الخطاب, الرجال الثلاثة في تاريخ الإسلام!
ففي صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب أنه قال:
(لما كان يوم بدر نظر رسول الله إلى المشركين وهم ألف, وأصحابه ثلاث مائة وتسعة عشر رجلًا, فاستقبل نبي الله القبلة, ثم مد يديه, فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني, اللهم آت ما وعدتني, اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض, فما زال يهتف بربه, مادًا يديه, مستقبل القبلة, حتى سقط رداؤه عن منكبيه, فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه, فألقاه على منكبيه, ثم التزمه من ورائه, وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك, فإنه سينجز لك ما وعدك, فأنزل الله عز وجل: إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين .. )
ولذلك لما كانت"تزكية النفوس"هي المدار الذي تدور عليه الأعمال فإن الله جعل المفاضلة بين الناس بحسب ما قام في هذه القلوب من معاني الإيمان, وجعل سبحانه أصل المؤاخذة يتعلق بكسب القلب كما قال تعالى:
{وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة:225]
وانعكاسًا لذلك جعل التغيير والإصلاح يبدأ بإصلاح هذه القلوب وعمارتها بمعاني الإيمان, كما قال تعالى:
{إن الله لايغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}
فإذا انتهت هذه الدنيا وبدأت الحياة المستقبلية المؤبدة فإن الله سبحانه وتعالى إنما يزن هذه القلوب والنفوس وما في الصدور, كما قال تعالى:
{أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ* وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ}