فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 159

يحاول كثير من غلاة المدنية أن يجعلوا المأمورات والمنهيات الشرعية مرتبطة بالجنة والسلامة من النار فقط, ولا علاقة لها بسعادتنا وظفرنا وسلامتنا الدنيوية, فالدين لبناء الآخرة والمدنية لبناء الدنيا, أو كما يقول بعضهم: الدين شرط للنجاة الأخروية لا للنجاح الدنيوي, ولذلك يشعر بعضهم أن المجتمع الغربي ليس بحاجة فعلية إلى الإسلام لإصلاح دنياه, وإنما يحتاج الإسلام فقط لينجو من النار, وتبعًا لذلك يعبر بعضهم عن المجتمع الغربي بأنه الإسلام بلا مسلمين.

والواقع أن هذا جهل مؤلم بمضامين الوحي ودلالاته على الآثار الدنيوية للالتزام الديني, فقد دلت محكمات الوحي على خمسة آثار دنيوية للاستقامة الدينية وهي:

التمكين السياسي في الأرض, واستقرار الأمن في البلاد, والرخاء الاقتصادي, والطمأنينة النفسية, والسلامة من كوارث الغضب الإلهي.

فكيف يقال بعد ذلك أن الدين لبناء الآخرة فقط والمدنية لبناء الدنيا, أو أن المجتمع الغربي لا يحتاج الإسلام لإصلاح دنياه؟!

فقد أخبرنا الله خبرًا قاطعًا لا يحتمل النسبيات وأشكال التأويل أن"الاستقامة تورث التمكين والأمن"كما قال تعالى:

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا} [النور:55]

وأكد تعالى هذا الوعد الرباني في محكمات كثيرة كقوله تعالى:

{وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأرْضِ} [القصص:5 - 6]

ومن شدة اهتمام الله بهذا الوعد الرباني أخبرنا عن تتابع الأنبياء والكتب السماوية على تأكيده كما قال تعالى:

{وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} [الأنبياء: 105]

وقال تعالى عن وعده لأنبيائه السابقين:

{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ} [الصافات:171 - 173]

وربط الله سبحانه وتعالى النصر العسكري على الأعداء بعمارة الآخرة, لا أن عمارتها سبب للهزيمة, كما قال تعالى:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ} [محمد:7]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت