المعركة اليوم معركة"تفسير"بالدرجة الأولى, تدور حول السؤالين التاليين: كيف نفهم النص؟ وكيف نفهم حملة النص؟
فتفسير النص, وتفسير التاريخ, كادا أن يكونا محور الجدل الثقافي المعاصر, وكاد أن يكون السجال الفكري يدور حول"النماذج التفسيرية"وتقنيات التأويل.
وفي المرحلة الفكرية السابقة -كماسبقت الإشارة لذلك- كانت النخبة الثقافية المأزومة مع الإسلام ودعاته تطرح نقدًا وتهجمًا على مضامين الرؤية الإسلامية ذاتها, فهناك سيل كبير من المقالات والكتب التي انتقدت التصورات الإسلامية صراحة كتحكيم الشريعة والحجاب والجهاد وغيرها من المفاهيم والقيم القرآنية وكانت المفاجأة أن الاتجاه الإسلامي يزداد صلابة, ويتأكد لقواعده الشبابية جدية عداء هذه النخب الثقافية المأزومة للإسلام والوحي والتعاليم النبوية.
لقد شعرت هذه النخب الثقافية المأزومة بكل وضوح بافلاس رصيدها الشعبي, بل ومعاناتها من حالة نبذ اجتماعي حاولت ان تتغلب عليه من خلال انخراطها في مشروعات السلطة, والتضحية بأية مضامين تدفع باتجاه الاستقلالية السياسية, بل وفي بعض الأحيان يصل الأمر -ولشديد الأسف- الى اعتبار هذا الاستقواء غير النزيه نوعًا من الحذاقة في ادارة الاختلاف الفكري.
ونتيجة لهذا النبذ الاجتماعي فقد تحولت النخب الثقافية المأزومة إلى خيار ثقافي آخر, حيث هجرت إعادة مضغ النقد الممجوج حول الحاكمية والحجاب والجهاد والتعدد وأحكام الذميين ونحوها إلى محاولة تهتيك الوشائج بين القواعد الشبابية الإسلامية وبين نماذجها الملهمة التراثية والمعاصرة وذلك من خلال خطاب الأنسنة.
والأنسنة في الخطاب العربي اليوم توظف في سياقين, فأما السياق الأول فهو"أنسنة العلاقات"بمعنى أن تكون علاقاتنا ونظرتنا إلى العالم اليوم هي علاقات مدنية مبنية على القيم الإنسانية المشتركة, لا على أساس الهوية الدينية, وهذه سنعرض لها في الفقرة اللاحقة.
أما السياق الآخر فهو"أنسنة التراث"بمعنى إعادة تفسير التراث وولادة مفاهيمه الجوهرية وحراكها الداخلي تفسيرًا تستبعد فيه أية دوافع أخلاقية أو دينية أو قناعات ذاتية, ويبحث فيه عن الدوافع المادية سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم عرقية أم غيرها, عبر التوسل بالجهاز المفاهيمي الأنثروبولوجي تحت شعار التسلح بأدوات العلوم الانسانية المعاصرة, وبعض الفرانكفونيين العرب حين يتحدث عن توظيف