الحقيقة أن من تأمل كافة تلك القضايا التي ناقشناها في الفقرات السابقة فسيلاحظ أن بعض المنتسبين للدعوة قد قارب بعضها بحسن نية وتحت وطأة الرغبة الملحة في هداية الناس وتأليف قلوبهم وتحبيبهم في الخير والتودد لهم والدخول إلى قلوبهم من جهة ما تهواه, والمرجو أن يكون أمثال هؤلاء الدعاة تحت مظلة العذر الإلهي والكرم الرباني.
ولكن المأمول دومًا هو التواصي بالحق والتواصي بالصبر, حتى لا يقع الداعية في هوة التحرج من حقائق الوحي, أو التدسس عنها مجاملةً لوسائل الاعلام, أو تربيتًا على أكتاف الذوق الجماهيري الحديث.
ولطالما اشتد عجبي وأنا أتأمل آيات القرآن من كثرة تنبيه الله سبحانه لنبيه من مخاطر الوقوع تحت"سلطة الجماهير", والحقيقة أن الكثيرين يظنون أن الصراع مع الهوى هو صراع مع هوى النفس الشخصي فقط, ولكن هناك ما هو أقوى على العامل للإسلام من ذلك, إنه الصراع مع أهواء المخاطبين, والرغبة في الاستحواذ على رضاهم وكسب تعاطفهم مع الإسلام.
لا أشد على العامل للإسلام من تلك الفتنة التي حذر الله منها نبيه وهي فتنة استمالة المدعوين, والرضوخ لهوى المكلفين, والانصياع لضغوط مألوفاتهم, وتوجيه التعاليم الإلهية بالشكل الذي يرتاحون به ويميلون اليه.
فالضعف البشري في تأويل النص باتجاه رضا الناس حقيقة لا يكاد يفلت منها داعية إلى الله, ولو لم تكن هذه الفتنة بهذه الخطورة لكانت كثرة تحذير الله لنبيه منها عبث ينزه القرآن عنه, فكثرة التنبيه فرع عن شدة الخطورة, وتثنية التحذير مرة بعد أخرى انعكاس لدحض الطريق ومزلة الأقدام.
ولا سيما إذا كان التحذير والتنبيه موجها إلى أكمل من أدى أمانة الرسالة على وجهها, فكيف بمن يليه في المنزلة والتسديد.
انظر مثلًا كيف صور الله الجماهير المتلقية وهي تحاول استمالة النبي عن مقررات الوحي وتعده بأن تنساق خلفه وتنصره فقال سبحانه في سورة الاسراء:
{وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلًا}
إنهم على استعداد تام للاتباع والانخراط في جملة المسلمين ولكن بشرط واحد, شرط واحد فقط, إنه"تبديل"بعض هذا الوحي الذي لاتروق لهم مضامينه!
وقد كشف القرآن في الآية التي تليها مباشرة أن هذا الاستسلام لنفوذ المخاطبين كان خطرًا فعليًا على النبي صلى الله عليه وسلم لولا العصمة الإلهية ولذلك قال تعالى:
{وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا}