يلاحظ المتابع أن بعض غلاة المدنية إذا قدر لأحدهم أن يتعاطى مع بعض نصوص الوحي فإنما يميل إلى التعامل معها كخطاب معرفي بحت يتضمن قضايا معرفية محضة, وليس كخطاب إيماني حي يتضمن رسالة, ولذلك ينفرون من مظاهر الانفعال الوجداني أمام القرآن, كالإطراق المخبت واستكانة الجوارح وذرف الدموع واقشعرار أطراف الجسد, وينظر بعضهم إلى هذه الحالات الإيمانية باعتبارها نزعة طهرية مبالغ فيها أقرب إلى سذاجة الوعاظ منها إلى الرزانة المعرفية.
وهذا التصور ناشئ بسبب الجهل بمراد الله من الإنسان حين يقرأ كلامه سبحانه وتعالى, وماهي الحالة الأسمى والأرقى أمام الوحي, إن مجرد استشعار أن الوحي إنما هو"كلام إله"كافٍ لهز المؤمن من أعماقه, وقد حكى الله لنا في صور مشرقة جذابة أحوال أهل الإيمان وكيف كانت انفعالاتهم الوجدانية أمام الوحي, تلك الصور كانت تحمل ثناء ضمنيًا على تلك الحال, فلما ذكر الله مسيرة الأنبياء عقب بذكر حالهم إذا سمعوا آيات الوحي حيث يقول تعالى:
{أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا}
فهذه الآية تصور"جنس الأنبياء"لا بعضهم وهم أكمل البشرية وأشرفها, وهم الأرقى بالتنوير الحقيقي, وهم الأسمى عن الظلاميات الحقيقية, فانظر كيف يستقبلون آيات الوحي بالخرور إلى الأرض ساجدين وباكين, فأي انفعال وجداني أعظم من ذلك؟
ويصف تعالى في مشهد آخر صورة الخرور والبكاء فيقول تعالى:
{وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء:109]
ويصف تعالى مشهدًا آخر لأهل الإيمان وهم يستقبلون آيات الوحي فيقول تعالى:
{وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} [المائدة:83]
ويعتبر تعالى أن الانفعال الوجداني بالوحي من سلوكيات العلم والمعرفة الحقيقية كما يقول تعالى:
{قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا} [الإسراء:107]
ويصف تعالى مرة أخرى أثر القرآن الجسدي وليس الوجداني فقط فيقول تعالى:
{اللَّهُ نزلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ اللَّهِ}
بل إن الله سبحانه وتعالى يجعل هذه التأثر النفسي أمام الوحي من مقتضيات وآثار الإيمان التي إن غابت فإنما تدل على ضمور الإيمان, إن لم يكن ذهاب أصله, كما قال تعالى: