وقال هود لقومه:
{وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ}
فهذه محكمات الوحي الصريح تتابعت على لسان الأنبياء تؤكد أن الاستقامة الدينية من أعظم أسباب الرخاء الاقتصادي وغنى الموارد, وأنا أسوق هذه الآيات، أدرك تمامًا أن"العقل المادي"الذي تشبع بالثقافة الغربية الحديثة لايطيق ولا يستوعب هذه الوعود الإلهية, ولا يفكر إلا في الآليات الملموسة, والواجب إزاء ذلك أن لا ننجرف مع هذه العقول وتكوينها المتصادم مع مقتضيات الإيمان, وإنما الواجب أن نسعى قدر المستطاع إلى تنويرها بالوحي ودلالتها إلى تزكية النفوس حتى تستطيع عقولها أن تترقى من ماديتها السطحية فتوقن بوعد الله سبحانه وتعالى, فمن ذا سيكون أصدق وأبر وعدًا من الله جل وعلا؟ ولذلك قال تعالى:
{وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ؟}
وقد دلت شواهد الوحي أيضًا على أن الخلل الديني من أهم أسباب الكوارث العظيمة الناشئة عن الغضب الإلهي, وهذه الحقيقة يتبرم بها كثيرًا غلاة المدنية ويحاولون تحييدها, ويتضايقون من تفسير الكوارث على أنها عقوبات إلهية, ويحاولون دومًا أن يجعلوا الخلل الديني عقوبته أخروية فقط, أما الدنيا فمربوطة بقوانين طبيعية لا صلة لها بهذه التفسيرات الغيبية, وبعضهم يتجارى به التطرف ويسمي ذلك"تفسيرًا ميثولوجيًا"أي أسطوريًا خرافيًا.
والواقع أن هذا التصور يتضمن إهدارًا وتضييعًا لأحد الركائز القرآنية في تصور التاريخ, فقد كشف القرآن في محكمات صريحة عن أن الخلل الديني له عقوبتان دنيوية وأخروية وقد ذكر سبحانه نوعي العقوبة كما في قوله تعالى:
{فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} [آل عمران:56]
وأشار في موضع آخر إلى نوعي العذاب بقوله:
{لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ}
ومن هذه العقوبات الدنيوية الكوارث الطبيعية وغلاء الأسعار وشح الموارد وانفراط الأمن وغيرها كثير كما قال تعالى:
{ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم:41]
ويضرب الله لنا مثلًا عن دور الانحراف الديني في رفع الرغد والأمن كما يقول تعالى: