ولذلك تجنبت التسمية وابتعدت عن الأشخاص, وناقشت أفكارًا وتصورات مجردة معزولة عن ذكر الأسماء, وقلت صريحًا في"مدخل المقالة":
(ومما يعنينا الإشارة إليه هنا بشكل خاص أننا تجاوزنا التمثيل, أو ذكر شخصيات بعينها من هذا الخطاب؛ تفاديًا للتعميم، ذلك أننا سنناقش تصورات عامة يتفاوت كتّاب هذا التيار تفاوتًا كبيرًا في تبنيها والاقتراب أو الابتعاد عنها, فمستقل من هذه الظواهر ومستكثر, فحشر الأسماء وإقحامها في سياق واحد يوهم اشتراكها في التفاصيل, الأمر الذي يتناقض مع فريضة القسط ومقتضيات الإنصاف) .
برغم أن بعض الاخوان الفضلاء الذين استشرتهم في مسودة المقالة انتقدوني لأني ناقشت أفكارًا غير معزوة لأشخاص, وطلبوا مني أن أصدِّر كل فصل بذكر"بعض النقول"عن غلاة المدنية ثم أناقشها, ولكني حين وازنت من جديد بين مصلحة"التوثيق"ومفسدة"الشخصنة"رجح في نظري ماكان راجحًا من قبل وهو أن مفسدة الشخصنة تفوق مصلحة ذكر الأسماء فرقًا عظيمًا, ففضلت هذا القصور التوثيقي على أن أقع في التجريح والايذاء الشخصي, والانجراف الى غواية التصنيف ونصب مجالس الحكم بين عباد الله.
فإذا كانت المقالة كلها لاتتضمن أشخاصًا وإنما هي مناقشة أفكار وتصورات, فأين التعميم يارحم الله هذا القائل؟ فالمقالة لم تبتعد عن التعميم فقط, بل ابتعدت عن ذريعة التعميم, وهو حشر الاسماء حتى لو مع بيان تفاوتها.
أصبح هناك اليوم منهجان واضحان لصيانة الهوية ومقاومة تهديدات التغريب, واذا شئنا أن نتجاوز المفاهيم الثقافية الى جوهر الاشكالية في عبارة بسيطة فإن الفتنة التي تعرض للشباب المسلم اليوم هي"استعظام دنيا الكفار", والمراد أن هذه الفتنة المعاصرة خلقت منهجين لمقاومتهما, كلاهما يحاولان الاجابة على اشكالية"مقاومة تهديدات التغريب"وهذان المنهجان:
أولهما: منهج"تعظيم الدنيا"ويستهدف هذا المنهج إعادة عرض الوحي في صورة المعظِّم لشأن عمران الدنيا, وإعادة عرض التراث باعتباره ينشد الحضارة والمدنية الدنيوية, وهدف هذا المنهج من إعادة رسم المشهد بهذه الطريقة"تلافي الاصطدام بين سطوة الحضارة والدين"حتى لايتخلى الناس عن عقيدتهم وايمانهم وتراثهم إذا رأوها لاتدفع باتجاه الحضارة الدنيوية, وهذا المنهج أخذ به بعض المنتسبين للُّغة الدعوية الحديثة, ولايشك الانسان أن كثيرًا منهم أخذ بهذا المنهج بحسن قصد بهدف تقريب الاسلام للناس وخصوصًا للطبقات المثقفة بالثقافة الغربية المعاصرة, حيث يردد كثيرًا أصحاب هذا الاتجاه (أن آخر مايمكن أن نقاوم به التغريب هو التزهيد في الدنيا) .