فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 159

كاد أن يكون جوهر الصراع القرآني أساسًا بين"المظاهر المادية"و"المبدأ الديني"أو ما يسميه القرآن الدنيا/الآخرة, ومن أشد مايفتن الناس عن حقائق الوحي أنه يغلب على الرسل وأتباعهم من العاملين للدين المشغوفين بتبليغ هذا الوحي أنهم لا يملكون مظاهر القوة المادية الباذخة التي يتمتع بالاستحواذ على مفاصلها غير المسلمين.

وهذا"قانون تاريخي"وسنة كونية متكررة لاينتهي العجب من تأمل أرشيفها الطاعن في العمر, فجمهور المبلغين عن الله منذ فجر النبوات وحتى لحظة العمل الإسلامي المعاصر يواجهون دومًا"قوى مادية"تفوقهم وتفتن الناس عن اتباع الوحي الذي معهم, إذ لو كان الأنبياء وأتباعهم يتمتعون بالموارد المادية والميزانيات الضخمة لما تخلف عن مساجدهم فرد واحد.

تأمل في تجارب الأنبياء وما انطوت عليه من الخبرات الدعوية ستجدها تكاد أن تكون جميعًا تمثالًا ناطقًا للصراع بين داعي"الوحي الإلهي"و فتنة"القوة المادية", وستجد افتتان الناس بالقوة المادية يخلب ألبابهم ويعشي أبصارهم ويصرفهم عن الانصياع والاستسلام للوحي, وستجد العاملين للدين يعانون الأمرَّين من افتتان الناس بالمظاهر المادية.

فالرسول الأول نوح عليه السلام قال له قومه بكل صراحة مادية:

{وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّايِ, وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} [هود:27]

واستمر هذا الاحساس حاضرًا في مشاعرهم تجاه المؤمنين بالوحي حتى تحولت عندهم إلى حجة وبرهان يتعللون به كما قال تعالى عنهم في سورة الشعراء:

{قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ} [الشعراء:111]

وما إن أقلعت السماء وغيض الماء وطوى النسيان أجيال نوح إلا وكانت"عاد الأولى"قد استلمت زمام الخلافة في الأرض كما قال تعالى عنهم:

{وَاذكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف:69]

فعمروا جنوب الجزيرة العربية في منطقة الأحقاف وإرم, وكانوا يتمتعون بقوة مادية مذهلة فكانت لهم بنية جسدية استثنائية, وكثافة سكانية, مكنتهم من الترف المعيشي وفنون العمارة, والانفراد بالجبروت العسكري على العالم, وهذه القوة المادية ورطتهم في الغرور وصرفتهم عن الإيمان بلقاء الله والاستسلام للوحي, كما يحكي تعالى عن قوتهم الجسدية في سورة الأعراف:

{وَاذكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ, وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً} [الأعراف:69]

ويؤكد تعالى بنيتهم الجسدية الاستثنائية في سورة الفجر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت