يتردد كثيرًا في أدبيات غلاة المدنية أن الحركات الإسلامية حركات عدمية ضد الحضارة والمدنية والتحديث, وأنها مجرد حركات هوية لا حركات نهضوية, وأنه ليس لديها إلا آلية الممانعة ومقاومة التغيير, وأنها حركات انفصالية عزلوية تدعو للتقوقع والانكفاء على الذات, وأنها ضد الاستفادة من المنجزات المدنية الحديثة, ونحو هذا الكلام الذي -بصراحة شديدة- صار مستهلكًا هذه الأيام ويعاني نوعًا من السماجة.
وهذه الدردشة الصحفية المبتذلة لا تخلو إما أن يكون صاحبها لم يقرأ للاتجاه الإسلامي جيدًا وإنما هي ألفاظ أعجبه حسن حداثتها فتلقفها ورددها, مع أنها بالمناسبة شعارات قديمة رددها الفكر العربي منذ عدة عقود وإنما استوردها الداخل المحلي مؤخرًا.
وإما أن يكون هذا الكلام مدفوعًا باستراتيجية سجالية بأن يحاول الكاتب التدليس على الموقف الإسلامي وتصعيده وتصويره بشكل سلبي بهدف تيسير إسقاطه والرد عليه, فيكون هذا الكاتب يصارع أشباحًا لاحقيقة لها وإنما هي صورة خلقها ليرد عليها كطواحين الهواء.
وفي كثير من الأحيان حين تفتش في دوافع هذا الكلام تكتشف أن الكاتب إنما يحاول تضميد جرح غرزه موقف شخصي لا صلة له بالاعتبارات الموضوعية للقضية أصلًا, وانما الظاهرة الاسلامية في هذه الحالة غرض للنكاية لاأكثر.
على أية حال .. الخطوط العامة لموقف الإسلاميين من الحضارة والمثاقفة عمومًا والحضارة الغربية على وجه الخصوص واضحة ليست بالأغاليط, صحيح أن ثمة اجتهادات متفاوتة في بعض التفاصيل, لكن الكليات المنهجية لجماهير الإسلاميين المعاصرين مشتركة لا تكاد تخطئها العين المنصفة, ويتلخص هذا الموقف في ثلاث ركائز هي في حقيقتها"تمييزات منهجية"لمستويات التعاطي والقراءة, ومن استوعب هذه التمييزات المنهجية الثلاث استوعب جيدًا الموقف الإسلامي المعاصر من الحضارة والمثاقفة عمومًا والحضارة الغربية خصوصًا, وهذه التمييزات المنهجية كالتالي:
-الركيزة الأولى: التمييز بين الحضارة كغاية والحضارة كوسيلة:
فالحضارة عند غلاة المدنية مطلب مطلق يريدون منها أن تهب رياحها وتبحر في كل اتجاه بلا شروط تفرض من الخارج في ظل الحرية الشخصية إلى درجة غياب المعنى وغموض الغاية, أما الحضارة في التصور الشرعي فهي حضارة موجهة بهدف"تحقيق العبودية"بما تتضمنه من إظهار الدين والقيام