بالشعائر والشرائع, فالحضارة المنشودة هي الحضارة المنضبطة بقيود الشريعة والهادفة لنصر الإسلام وتحقيق قيمه ومضامينه, وتأخذ قضايا وجزئيات الحضارة قيمتها التفصيلية بحسب مؤداها إلى هذه الغاية.
ولذلك فإن الشارع لم يوظف مفهوم الحضارة ولا المدنية وإنما وظف مفهوم"القوة"و"العلو"كقوله تعالى {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} وقوله صلى الله عليه وسلم (ألا إن القوة الرمي) وقوله تعالى {وأنتم الأعلون} وقوله صلى الله عليه وسلم (اليد العليا خير من اليد السفلى) . ومن المعلوم أن الطاقة التخييلية التي تتضمنها ايحاءات مفهوم الحضارة والمدنية ليست كالدلالات التي يضخها مفهوم القوة, فالقوة مفهوم خادم للمبدأ ومرتبط به, أما الحضارة فمفهوم موحي بالمتعة والرفاه.
والمراد من ذلك أن الحضارة والتمدن عند الإسلاميين"مطلب"لكنها ليست هي المطلب الرئيس ولا المطلب الجوهري لهذه الحياة, بل هي مجرد وسيلة لتحقيق الغاية الحقيقية التي هي العبودية.
-الركيزة الثانية: التمييز بين الوجه العلمي والفلسفي والسياسي:
غلاة المدنية يدعون إلى الإقبال الشغوف واحتضان المنجز الغربي بكامل صوره وكأنه معطى مصمت لا يتفاوت, ويتضايقون من الصرامة في الفحص والاختبار ويعدونها لونًا من التعنت والعدمية ورفض المثاقفة, ولذلك يدعون عمليًا إلى التسامح والتغاضي عن الثغرات, أو يلتمسون لها المعاذير والتسويغات وينبشون لها الآراء الشاذة لتتكئ عليها, أما الإسلاميون فيفرقون بشكل واضح بين الوجوه الثلاثة الرئيسية للحضارة الغربية, فيتفاوت تقييمهم وصرامتهم وتدقيقهم في الاختبار والفحص بحسبها.
فأما الوجه الأول فهو"الوجه العلمي"المحض بما يدخل فيه من منتجات تجريبية وعلوم طبيعية وتصنيع وتكنولوجيا ونظم اتصال وحوسبة ونحوها من المنتجات التي يغلب عليها أن تكون"أدوات"أو"وسائل"محضة بحيث تستطيع كل ثقافة أن توجهها بحسب قيمها, فهذه حكمة مشتركة, وصواب الفكر الغربي فيها أكثر من ضلاله.
بل إن المجتمع الغربي اليوم لم ينفرد بها فهناك أمم أخرى تشارك في هذا الانتاج التقني ان لم تكن أكثر تفوقًا, وعلى وجه الخصوص اليابان والصين والهند, وتعتبر ظاهرة التلزيم (outsourcing) من أهم الظواهر التي كشفت تحولات التركز في الخبرة التقنية العالمية, بحيث صارت تعهدات التصنيع الخارجي في مناطق العمالة الرخيصة تخلق أقطاب خبرة تكنولوجية جديدة ليست في العواصم الغربية.
ووجه أغلبية الصواب في هذا الباب أن هذه المنتجات مستمدة من القوانين الكونية المحضة التي أودعها الله الطبيعة, فهي حظ مشترك لاتتفاوت كثيرًا بسبب الخلفية الدينية.