فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 159

والواقع أن الإسلاميين بجميع أطيافهم سبقوا غيرهم من الطبقات الثقافية إلى الانتفاع بها, بل وكتب كثير من السلفيين أن حقائق العلوم الطبيعية حقائق شرعية, بل لايوجد علم من العلوم المعاصرة على وجه العالم اليوم خدمه أصحابه برمجيًا مثل العلوم الشرعية, وصورة الشاب المتدين في كليات الطب والهندسة والحاسوب ونحوها ليست صورة طبيعية فقط بل هي صورة نمطية راسخة في الوعي الشعبي, حتى أن الفرانكفوني المتطرف محمد أركون أشار إلى ذلك في غير موضع من دراساته, إضافة الى ظاهرة الاقبال الاسلامي على الدورات التدريبية في ادارة الذات وعلم النجاح والبرمجة اللغوية وغيرها, فلا أدري ما وجه المزايدة على الإسلاميين والقول بأنهم ضد المثاقفة والاستفادة من المنجزات؟

وأما الوجه الثاني فهو"الوجه الفلسفي"للحضارة الغربية بما يتضمنه من تصورات عن الأسئلة الأنطولوجية والإكسيولوجية والإبستمولوجية وما بعدها من حقول الفلسفة الكبرى, كحقيقة الحياة, ومفهوم السعادة, ووظيفة الدنيا, وكنه الإنسان, ومستقبل البشرية بعد فنائها, والعالم العلوي, ومرجعية الأخلاق, وإطلاقيتها ونسبيتها, ومصادر المعرفة والتي هي البنية التحتية للفلسفة, ونحوها.

فهذا الوجه ضلال الفكر الغربي فيه أكثر من صوابه, خصوصًا في الأسئلة الكبرى, أما التفاصيل والجزئيات فقد يكون بعضها مشتركًا وبعضها متناقضًا مع الوحي.

بل إن القارئ المسلم لايكاد يجد فيها نتائج مبرهنة يسعد بها ويحملها كرسالة اجتماعية, بل كل فيلسوف ينقض ما قاله سابقه, وغاية القارئ في هذه الأبواب ليس أن يبني تصوراته وعقيدته بشكل صحيح فتكون له إضافة في ذاته, بل غايته أن يحصل له مران ذهني ودربة على السجال والجدل والرد والتفنيد, في مقابل أن يخسر فضيلة الحسم واليقين والتي هي من أهم أسباب الإمامة في الدين كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} .

فيمتلئ القارئ بالارتياب والحيرة واللاحسم في كل شئ, حتى يصل إلى مرحلة عدمية لا يستطيع فيها أن يجزم بشئ من معطيات الشريعة, وهذه ظاهرة مشاهدة, والارتياب والحيرة والتردد في الأصول الكبرى من شعب النفاق والعياذ بالله, كما قال تعالى: {وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} .

ولذلك تجد عامة غلاة المدنية الذين اقتربوا من هذه الدراسات الفلسفية يرددون"الأهم هو طرح الأسئلة وليس الإجابات"أو قولهم"إلى المزيد من طرح الأسئلة"ونحو هذه العبارات التي هي كالمخدر يسلون به أنفسهم عن عدم الوصول لنتيجة, حتى أصبح شائعًا لدى المؤرخين للفلسفة قولهم"الفلسفة تقدم الأسئلة بما يفوق تقديم الإجابات".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت