فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 159

حين تطالع الكتب المعنية بتأريخ الأفكار والمذاهب والمقالات الفلسفية المنقولة عن سائر الأمم فإنك كثيرًا ما تصيبك الدهشة من غرابة بعض الأفكار والمقالات في صورتها النهائية وتناقضها مع بدهياتٍ ظاهرة, فيأخذك التساؤل: كيف وصل أصحابها إلى مثل هذه القناعة الغريبة؟! وكيف غابت عنهم الأمور الواضحة؟!

الواقع أن كثيرًا من الأفكار والمقالات الممجوجة في صورتها النهائية, أو المتناقضة مع أبجديات الوحي والعقلانية إنما بدأت بالتزام"مبدأ نظري"معين دون الاستكشاف المسبق لكافة آثاره النهائية ولوازمه ومؤداه, وفي ثنايا سجالات الفرقاء ينجرف صاحب المقالة إلى الالتزام التدريجي لمقتضيات هذا المبدأ بهدف الاحتفاظ بعنصر الاطراد وعدم التناقض, فيتجارى به ذلك حتى يصل إلى مستشنعات ما ظن أنه سيصل إليها يومًا ما, وهو ما يمكن تسميته قانون"المتوالية الفكرية".

وقد كان الإمام ابن تيمية كثيرًا ما يشير إلى هذه الظاهرة العلمية لتطور الأفكار في ثنايا مناقشاته للمقالات الفلسفية كما يعبر مثلًا بدقة بالغة فيقول:

(فاحتاجوا أن يطردوا أصول أقوالهم التي احتجوا بها لتسلم عن النقص والفساد, فوقعوا في أنواع من رد معاني الأخبار الإلهية وتكذيب الأحاديث النبوية) درء التعارض (7/ 106)

والواقع أن"قانون المتوالية الفكرية"كنموذج تفسيري سيساعدنا كثيرا في فهم تطورات ظاهرة الخطاب المدني وكيف بدأت بإشكاليات تجديدية اجتهادية مشكورة ثم انتهى كثير من كتابها إلى مآلات مؤلمة مذمومة, فجمهور هؤلاء الشباب حين بدأ في قراءة إنتاجات المدرسة الفرانكفونية كان مدفوعًا في البداية بمقصد حسن نبيل وهو تنمية إمكانياته التحليلية وامتلاك الأدوات الفكرية بهدف تعزيز الخطاب الإسلامي ودعم حجيته, ولم يفرغ كثير منهم من ازدراد هذه الأبحاث إلا وقد انقسموا فريقين:

فأما الأول فتيقظ لبطلان الأساس الضمني الذي انبنت عليه هذه الأبحاث وهو غائية الحضارة أو مركزية المدنية, فانبنى على ذلك بطلان أكثر النتائج التي تضمنتها هذه الأبحاث من تبخيس التراث وتوقير الغرب, ومن ثم التنبه للأداتين الأثيرتين في هذه المدرسة لتهشيم التراث وهما أداتي (التسييس والمديونية) .

أما أداة"التسييس"فتعني إعادة التفسير السياسي للنظريات الشرعية وتحركات أعلام التراث ومحاولة ربطها بصراعات سياسية تحت شعار الأنسنة, أما أداة"المديونية"فتعني محاولة ربط سائر المفاهيم والأصول الشرعية التي صاغها فقهاء التراث بالثقافات السابقة للإسلام وتصويرها كمجرد اقتراض ثقافي من الثقافة الهرمسية أو الغنوصية أو الفارسية أو اليونانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت